مع بداية العام الدراسي الجديد في التشيك، يعود أبناؤنا وبناتنا إلى مدارسهم وجامعاتهم، وتبدأ معهم مرحلة جديدة من الجد والاجتهاد، تحمل الآمال والطموحات، وفي الوقت نفسه مسؤوليات وتحديات تحتاج من الأسرة المسلمة إلى الوعي والمتابعة وحسن التوجيه.
إن الإسلام دين العلم والمعرفة، وكانت أول كلمة نزلت من القرآن الكريم قول الله تعالى:﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾[العلق: 1]
فالعلم في الإسلام ليس مجرد وسيلة للحصول على شهادة أو وظيفة، وإنما هو طريق لبناء الإنسان ونفع الناس وخدمة المجتمع. ومن هنا نريد لأبنائنا وبناتنا أن يتفوقوا في دراستهم، وأن يكونوا نافعين للمجتمعات التي يعيشون فيها، وأن يقدموا بعلمهم وأخلاقهم صورة مشرقة عن المسلم الذي يجمع بين الإيمان والعلم، والأخلاق والنجاح، والاعتزاز بهويته والمشاركة الإيجابية في مجتمعه.
عباد الله،
إن أبناء المسلمين الذين ينشؤون في بلاد الاغتراب يعيشون بين ثقافات وأفكار وعادات متعددة، وهذا يجعل مسؤولية الأسرة عظيمة. فالمدرسة تقوم بدورها في التعليم، ولكن الأسرة تبقى المدرسة الأولى في بناء الإيمان والأخلاق والهوية.
ومسؤولية الآباء والأمهات لا تقتصر على توفير الاحتياجات المدرسية أو السؤال عن الدرجات، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: كيف حال أبنائنا مع الصلاة؟ ومن أصدقاؤهم؟ وما الأفكار التي يتلقونها؟ وكيف يقضون أوقاتهم؟ وماذا يشاهدون على هواتفهم وشاشاتهم؟قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾[التحريم: 6]
أيها الآباء والأمهات،
إن التربية ليست أوامر ونواهي فحسب، وإنما هي محبة وحوار ومتابعة وقدوة ودعاء. اقتربوا من أبنائكم، واستمعوا إليهم، وافهموا مشكلاتهم، واجعلوا البيت مكانًا يجدون فيه الأمان والثقة والحوار.
وعلِّموهم أن الاعتزاز بالإسلام لا يعني الانعزال عن المجتمع، كما أن الاندماج الإيجابي لا يعني التخلي عن الدين والقيم. نريد أبناءً يحترمون معلميهم وزملاءهم، ويتعاملون مع الناس بالعدل والإحسان، وينفعون مجتمعاتهم، وفي الوقت نفسه يحافظون على صلاتهم ويتمسكون بأخلاق دينهم.
واغرسوا فيهم أن المسلم يُعرف بصدقه وأمانته وأدبه واجتهاده؛ فالطالب المسلم المتفوق، حسن الخلق، النافع للآخرين، يقدم بسلوكه رسالة عظيمة عن دينه.
أيها المسلمون،
من أعظم ما يعيننا على تربية أبنائنا استحضار أن الهداية بيد الله تعالى، فنحن نجمع بين التربية الصالحة والقدوة الحسنة وكثرة الدعاء.
وقد كان الدعاء للأبناء منهج الأنبياء عليهم السلام. قال إبراهيم عليه السلام:﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾[الصافات: 100]وقال سبحانه عنه:﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾[إبراهيم: 40]
فلا تنسوا أبناءكم من الدعاء، ولا سيما في زمن كثرت فيه الفتن والمؤثرات.
ومن أهم التحديات التي تواجه أبناءنا اليوم الهواتف والشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي. فهذه الوسائل قد تكون نافعة للتعلم والتواصل والوصول إلى المعرفة، ولكن الخطر يبدأ عندما يصبح الهاتف هو الصديق والمربي والمعلم، ويستحوذ على وقت الأبناء وعقولهم.
فكم من ساعات تضيع في تصفح لا ينتهي، وكم من طالب ضعفت دراسته بسبب هاتفه، وكم من أسرة تجلس في مكان واحد وكل فرد منها يعيش داخل شاشته!
وهنا تأتي القدوة قبل الرقابة. فمن الصعب أن نطلب من أبنائنا ترك الهاتف ونحن لا نفارقه.
فابدأ بنفسك، وراجع علاقتك بهاتفك قبل أن تراقب هاتف ولدك، وكن قدوة له قبل أن تكون رقيبًا عليه.
ومن الحكمة أن تضع الأسرة قواعد واضحة ومتوازنة لاستخدام الشاشات؛ فيكون للهاتف وقت محدد، وألا يكون حاضرًا على مائدة الطعام، وأن يبتعد الأبناء عنه أثناء الدراسة إلا عند الحاجة، وألا يرافقهم إلى غرف النوم حتى ساعات متأخرة.
ومن المهم تأخير إعطاء الأطفال هواتفهم الخاصة قدر المستطاع، وتشجيعهم على الرياضة والقراءة والأنشطة الاجتماعية، مع المتابعة الحكيمة لما يشاهدونه دون تجسس يهدم الثقة أو إهمال يتركهم وحدهم أمام عالم مفتوح.
وعلِّموهم المحافظة على خصوصياتهم، والحذر من التواصل مع الغرباء ونشر المعلومات والصور الشخصية، والرجوع إلى والديهم عند وقوعهم في مشكلة، وأن طلب المساعدة خير من إخفاء المشكلة خوفًا من العقاب.
أيها الأبناء والبنات،
أنتم في بداية عام دراسي جديد، فاجعلوه بداية جديدة في حياتكم. حافظوا على صلاتكم، واجتهدوا في طلب العلم، ونظموا أوقاتكم، واختاروا الصحبة الصالحة، واحترموا معلميكم وزملاءكم.
وكونوا في مدارسكم قدوةً حسنةً يُقتدى بها في الأخلاق والاجتهاد والمثابرة؛ فأنتم سفراء للإسلام بأخلاقكم وسلوككم. ومن خلالكم يتعرف الآخرون على قيم الإسلام، وقد تكون أخلاقكم الطيبة وصدقكم وأمانتكم سببًا في أن يحب أحدٌ هذا الدين ويتعرف إليه، وربما يهديه الله على أيديكم، فتنالوا بذلك خير الدنيا وأجر الآخرة.
فأروا معلميكم وزملاءكم أخلاق الإسلام في الصدق والأمانة والاحترام والتعاون والإحسان، واجمعوا بين حسن الخلق والتفوق في الدراسة، لتكونوا صورة مشرقة للمسلم الناجح النافع لنفسه ولمجتمعه.
ولا تسمحوا للهاتف والألعاب ومواقع التواصل أن تسرق منكم أعماركم ومستقبلكم. استخدموا التقنية ولا تجعلوها تستخدمكم، ولا تجعلوا الوسائل الحديثة بديلًا عن التفكير والاجتهاد، ولا تعتمدوا في كل واجب أو سؤال على الهاتف أو أدوات الذكاء الاصطناعي.قال الله تعالى:﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾[النجم: 39-40]
عباد الله،
إن أبناءنا أمانة ومستقبل أسرنا ومجتمعاتنا، وإن أعظم ما نقدمه لهم ليس المال وحده، وإنما إيمان يحفظهم، وعلم ينفعهم، وأخلاق تزينهم، وهوية تمنحهم الثبات والثقة، وأسرة تحتضنهم.
فلنجعل بداية هذا العام الدراسي فرصة نقترب فيها من أبنائنا، ونساعدهم على النجاح مع الحفاظ على دينهم وهويتهم، ونربيهم ليكونوا صالحين وناجحين ونافعين في المجتمعات التي يعيشون فيها.
نسأل الله أن يحفظ أبناءنا وبناتنا، وأن يفتح عليهم أبواب العلم والفهم، وأن يثبتهم على دينهم، ويحفظهم من الفتن، وأن يجعلهم صالحين مصلحين، ناجحين في علمهم وحياتهم، نافعين لأنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم.



