قد يستطيع الإنسان أن يختفي عن أعين الناس، وأن يغلق على نفسه الأبواب، وأن يفعل ما لا يعلم به قريب ولا صديق، وقد يخفي عن الناس كلامه وأفعاله.ولكن هناك عين لا تغيب، وعلم لا يخفى عليه شيء، وربٌّ يعلم السر وأخفى.فإذا أُغلقت الأبواب، وغابت أعين الناس، وخلا الإنسان بنفسه، بقي السؤال الذي ينبغي أن يهز القلب:هل تذكرت أن الله يراك؟قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾.

ومن هنا تأتي منزلة عظيمة من منازل الإيمان والإحسان، ومن أجلِّ أعمال القلوب: مراقبة الله عز وجل في السر والعلن.

ومراقبة الله هي أن يعيش العبد على يقين بأن الله يراه، ويسمع كلامه، ويعلم سره وعلانيته، ويطلع على ظاهره وباطنه، فلا تخفى عليه سبحانه حركة ولا سكنة، ولا كلمة ولا نظرة.قال الله تعالى:
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.وقال جل وعلا:﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.وقد جمع النبي ﷺ هذا المقام العظيم في كلمات قليلة جامعة، حين سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان، فقال ﷺ:«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».فيا لها من كلمات عظيمة لو استقرت معانيها في قلوبنا!

إن لم تكن ترى الله، فإن الله يراكيراك وأنت بين الناس، ويراك وأنت وحدك، يراك في المسجد ويراك في بيتك، يعلم ما تنطق به شفتاك، ويعلم ما تخفيه في صدرك.قال سبحانه:﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

عباد الله، إن من أعظم المواطن التي يظهر فيها صدق الإيمان حال الإنسان عندما يخلو بنفسه ولا يراه أحد من الناس. فقد يحسن الإنسان ظاهره أمام الناس، ويترك بعض المعاصي حياءً منهم، ولكن كيف يكون حاله عندما يغلق عليه بابه ولا يراه أحد؟ هل يتذكر عندها أن الله يراه؟قال تعالى:﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾.هنا تظهر حقيقة المراقبة، وهنا يظهر صدق العبد مع ربه.

وقد قيل: إذا ما خلوتَ الدهرَ يومًا فلا تقلْ خلوتُ، ولكن قلْ: عليَّ رقيبُ

ولا تحسبنَّ اللهَ يغفلُ ساعةً ولا أنَّ ما تُخفي عليه يغيبُ

ومن أجمل ما يروى في هذا المعنى قصة الراعي مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين مرّ براعي غنم فقال له مختبرًا أمانته: بعني شاة من هذه الغنم. فقال الراعي: إني مملوك. فقال عمر: قل لسيدك أكلها الذئب.فقال الراعي كلمة خرجت من قلب امتلأ بمراقبة الله:«فأين الله؟»فبكى عمر رضي الله عنه.

لم يكن صاحب الغنم حاضرًا، ولم يكن هناك من البشر من يمنع الراعي من الخيانة، ولكنه كان يعلم أن الله يراه.

«فأين الله؟» كلمة قصيرة، ولكن لو استقرت في قلوبنا لتغير كثير من أحوالنا.

حين تدعوك نفسك إلى معصية وأنت وحدك، فقل لها: أين الله؟ وحين تستطيع أن تأخذ ما ليس لك، أو تكذب، أو تخون، أو تغش، وتظن أن الأمر سيخفى على الناس، فتذكر أن الله يعلم وأن الله يرى.

وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ليلة يتفقد أحوال الناس، فسمع امرأة تقول لابنتها: اخلطي اللبن بالماء. فقالت ابنتها: إن أمير المؤمنين نهى عن ذلك. فقالت الأم: وأين عمر؟ إنه لا يرانا.

فقالت الفتاة المؤمنة:إن كان عمر لا يرانا، فإن رب عمر يرانا.

هذه هي المراقبة: أن تستقيم عندما يراك الناس وعندما لا يرونك، وأن يكون خوفك من الله أعظم من خوفك من البشر.وقد قال بعض السلف:«اتق أن يكون الله أهون الناظرين إليك». فلا تجعل مراقبتك للناس أشد من مراقبتك لرب الناس.

عباد الله، ومما يعين على مراقبة الله أن نتذكر أن أعمالنا ليست ضائعة ولا منسية، بل عليها شهود.

فأعظم الشهود الله سبحانه وتعالى، قال جل وعلا:﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.

وتشهد الأرض التي عاش عليها الإنسان وعمل فوقها، قال تعالى:﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾.

وتشهد عليه جوارحه، قال تعالى:﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

فيا عبد الله، قد تستطيع أن تخفي عملك عن الناس، ولكن أين تخفيه عن الله؟

وقد تستطيع أن تغلق عليك بابك، ولكن لا تستطيع أن تغلق عنك علم الله.

أيها الإخوة الكرام، إن الحديث عن مراقبة الله لا يعني أن الإنسان لن يخطئ أبدًا؛ فالإنسان ضعيف، وقد تغلبه نفسه، ولكن المؤمن إذا زل رجع، وإذا أخطأ استغفر، وإذا أذنب تاب، ولا يصر على معصيته.

قال الله تعالى:﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.

فلا ينبغي لمن وقع في معصية أن ييأس من رحمة الله، بل يتوب ويستغفر ويجاهد نفسه؛ فإن رحمة الله واسعة، وباب التوبة مفتوح.قال النبي ﷺ:«والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم». فالمطلوب ليس أن يكون الإنسان معصومًا من الخطأ، وإنما أن يكون قلبه متعلقًا بالله؛ إذا أذنب ندم، وإذا ندم استغفر، وإذا ابتعد عن ربه عاد إليه.

عباد الله، إن مراقبة الله تحتاج إلى مجاهدة وتربية للقلب، ومن أعظم ما يعين عليها أن يعرف الإنسان أن ربه هو العليم، والسميع، والبصير، والرقيب، والحفيظ.

فإذا خلوت بنفسك فتذكر:الله يراني.

وإذا تكلمت فتذكر:الله يسمعني.

وإذا أضمرت شيئًا في قلبك فتذكر:الله يعلمه.

وإذا هممت بمعصية فتذكر:الله مطلع عليّ.

وإذا فعلت طاعة فلا تبحث عن نظر الناس ومدحهم، ولكن اسأل نفسك: لمن أفعل هذا؟

فإن كان لله فامضِ فيه، وإن كان لمدح الناس وثنائهم فصحح نيتك.

واجعل بينك وبين الله أعمالًا لا يعلم بها أحد: ركعتين في جوف الليل، أو صدقة خفية، أو دعوة صادقة، أو دمعة من خشية الله، أو استغفارًا في ظلمة الليل.

فعبادة السر من أعظم ما يربي القلب على الإخلاص والمراقبة.

عباد الله، إذا استقرت مراقبة الله في القلب ظهرت آثارها على حياة الإنسان؛ فتجعله مخلصًا في عبادته، أمينًا في معاملته، صادقًا في كلامه، بعيدًا عن الغش والخيانة، سريع الرجوع إلى الله إذا أخطأ.

وتجعله يستوي في السر والعلن، فلا يكون صالحًا أمام الناس ثم ينسى حدود الله إذا خلا بنفسه.

وهذا هو مقام الإحسان:«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

فطوبى لمن أصلح سريرته كما أصلح علانيته، وطوبى لمن كان خوفه من الله في الخلوة أعظم من خوفه من الناس.وطوبى لمن إذا أغلقت الأبواب، وغابت أعين البشر، وخلا بنفسه، قال قلبه:إن ربي يراني.

اللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، اللهم ارزقنا مراقبتك في السر والعلن، اللهم طهر قلوبنا، وأصلح سرائرنا وعلانيتنا، واستر عيوبنا، واغفر ذنوبنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.