إن من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية تقريب الناس إلى الله تعالى، وترغيبهم في طاعته، ونشر الرحمة واليسر بينهم؛ ولذلك حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من كل ما ينفّر الناس من الدين أو يجعل العبادة ثقيلة على نفوسهم، فقال: «إن منكم منفرين، فأيكم صلى بالناس فليوجز، فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة». وهذا التوجيه لا يقتصر على الصلاة، بل يشمل الدعوة والتعليم والتربية وسائر مجالات التعامل.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عندما شكا أحد الصحابة إمامًا يطيل صلاة الفجر، حتى أصبح بعض الناس يتأخرون عن الجماعة بسبب المشقة، فغضب وقال: «يا أيها الناس، إن منكم منفرين». وفي ذلك توجيه إلى مراعاة اختلاف الناس في القوة والصحة والظروف، ففيهم المريض وكبير السن والعامل المتعب وصاحب الحاجة.
ويتجلى هذا المعنى في قصة معاذ بن جبل رضي الله عنه، حين أمّ قومه فقرأ بهم سورة البقرة، فشق ذلك على رجل يعمل طوال يومه، فانفرد وأتم صلاته وحده. ولما اتهمه معاذ بالنفاق، شكا أمره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لمعاذ: «أفتان أنت؟»، وأمره أن يقرأ بما لا يشق على الناس. ومعاذ من أعلم الصحابة، ومع ذلك صحح له النبي صلى الله عليه وسلم خطأه، مما يدل على أن الإنسان قد يخطئ في تقدير أحوال الآخرين، وأن الرجوع إلى الحق من صفات النفوس الكريمة.
فالتشديد قد يكون سببًا في نفور الناس من العبادة، مع أن المقصود منها أن تقربهم من الله وتمنحهم الطمأنينة. ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يريد إطالة الصلاة، ثم يسمع بكاء الطفل فيخففها رحمة بأمه، وقال: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي». وهذا يدل على أن مراعاة حاجات الناس جزء من العبادة، وأن الحكمة تقوم على التوازن بين العبادة وأحوال المصلين.
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم التيسير والتبشير أصلًا في الدعوة، فقال لمعاذ وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا». فالداعية الناجح هو الذي يفتح للناس أبواب الأمل، ويقربهم إلى الطاعة بالحكمة واللطف.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبلال رضي الله عنه: «أرحنا بها يا بلال»، لأن الصلاة راحة للقلب وسكينة للنفس. فإذا تحولت العبادة بسبب التشدد أو سوء التطبيق إلى أمر تنفر منه النفوس، فإن الخلل ليس في الدين، وإنما في طريقة فهمه وعرضه.
ولا يقتصر التنفير على إطالة الصلاة، بل يشمل التشدد والغلو وترك التيسير المشروع. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»، وقال: «هلك المتنطعون». ومن الخطأ أن يظن الإنسان أن التحريم دائمًا هو الأحوط، أو أن زيادة التشديد دليل على زيادة الورع. فالورع الحقيقي هو الالتزام بأحكام الله من غير زيادة ولا نقصان، والأخذ بالعزائم والرخص في مواضعها، قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، وقال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾.
ومن التشديد معاملة السنن كأنها فرائض، والمكروهات كأنها محرمات. فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن الفرائض، فلما أخبره بها قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق». فالنوافل باب للفضل، ولا يجوز إجبار الناس عليها أو محاسبتهم على تركها كأنها واجبات.
ومن صور التنفير التشديد مع حديثي العهد بالإسلام أو التوبة، وهؤلاء يحتاجون إلى التدرج والرفق، وتعليم الأصول قبل الفروع. وعندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن أمره أن يبدأ بالتوحيد، ثم الصلاة، ثم الزكاة، فدل ذلك على أن الإصلاح لا يكون بتكليف الإنسان بكل شيء دفعة واحدة.
ومن أخطر أسباب النفور الغلظة والخشونة في التعامل، قال الله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾. فالناس قد ينفرون من الحق إذا قدم بأسلوب قاسٍ، ويقبلونه إذا قدم بالكلمة الطيبة والرحمة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»، وقال: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه». فالدعوة لا تصلح بالصراخ والإذلال، بل بالصبر والحوار الهادئ. وقد أمر الله موسى وهارون عليهما السلام أن يقولا لفرعون قولًا لينًا، فالمسلم المخطئ أو الجاهل أولى بالرفق.
ومن صور التنفير سوء الظن بالناس، قال الله تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث». وسوء الظن يدفع الإنسان إلى تضخيم أخطاء الآخرين، والتسرع في اتهامهم دون معرفة الحقيقة.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من احتقار الناس واليأس من صلاحهم، فقال: «إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم». ومن التنفير أيضًا التعصب للرأي، خاصة في المسائل الاجتهادية، واعتباره الحق الوحيد، مما يمنع الحوار ويزرع العداوة.
وكثرة النقد والتركيز على العيوب من أسباب النفور، فلا يوجد إنسان بلا نقص. وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصار فقال: «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم». وهذه قاعدة عظيمة في التعامل: حفظ فضل الناس، وتصحيح الخطأ دون هدم الشخص كله. فالناس يقبلون النصيحة عندما يشعرون بأنها صادرة عن محبة وحرص، ويرفضونها إذا شعروا بالاحتقار والتعالي.
ومن أخطر صور التنفير تيئيس العصاة من رحمة الله، فلا يملك أحد أن يحكم بأن الله لن يغفر لفلان. والواجب أن ننظر إلى أصحاب المعاصي بعين الرحمة والرغبة في الإصلاح، لا بعين الاستعلاء والتشفي. فالقلوب بيد الله، وقد يكون العاصي اليوم من الصالحين غدًا.
إن الإسلام دين الرحمة والرفق والتوازن، والداعية والمربي والإمام الناجح هو الذي يقرب الناس إلى الله، ويراعي اختلاف قدراتهم وأحوالهم، فلا يشدد في موضع التيسير، ولا يفرض النوافل كأنها فرائض، ولا يسيء الظن، ولا يتعصب لرأيه، ولا يغلق أبواب التوبة.
والكلمة الطيبة قد تغير إنسانًا، والرفق قد يصلح ما لا تصلحه الشدة. ومن أراد أن ينصح الناس فليبدأ بالرحمة، وليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا»، وقوله: «إن منكم منفرين». فخير الناس من كان مفتاحًا للخير، معينًا للناس على الطاعة، لا منفرًا لهم من الدين بسبب غلظته أو تشدده أو سوء أسلوبه.
اللهم اجعلنا من أهل الرفق والرحمة، ولا تجعلنا من المنفِّرين عن دينك. اللهم ارزقنا الحكمة في القول والعمل، واجعلنا ممن ييسرون ولا يعسرون، ويبشرون ولا ينفرون، واهدِ بنا عبادك إلى صراطك المستقيم.

