نواصل اليوم حديثنا ضمن سلسلة خطب “فن التعامل مع الناس”، وقد تحدثنا في الخطبة السابقة عن فن التعامل مع الناس في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، وأن الإسلام لم يكتفِ ببيان العبادات، بل ربّى المسلم على حسن الخلق والعدل والرحمة وحسن المعاملة.

وفي هذه الخطبة نتناول خلقًا عظيمًا، أصبح الناس في زماننا أحوج ما يكونون إليه، وهو الاعتراف بالخطأ؛ ذلك الخلق الذي يرفع صاحبه عند الله وعند الناس، ويصلح البيوت، ويحفظ المودة، ويغلق أبواب الشقاق والخصومات. فكم من خلاف طال لأن أحد الطرفين رفض أن يقول: “أخطأت”، وكم من بيت تهدم، وكم من صداقة انقطعت، بينما كان يمكن أن تُحل المشكلة بكلمة صادقة واعتذار مخلص. فالمؤمن لا يقاس بقلة أخطائه، وإنما بسرعة رجوعه إلى الحق وصدقه في التوبة.

إن الخطأ من طبيعة الإنسان، فلا أحد معصوم من الزلل، والعصمة للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون».

فليس العيب أن يخطئ الإنسان، وإنما العيب أن يصر على خطئه، ويكابر، ويرفض الاعتراف به، ويجادل عنه بالباطل، مع أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. ومن أخطر الأمراض أن يُفتن الإنسان بخطئه فلا يراه خطأً، كما جاء في الحديث: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته»؛ لأن من لا يعترف بخطئه لا يمكنه أن يتوب منه.

ومن أخطر الظواهر اليوم كثرة تبرير الأخطاء، حتى أصبح كثير من الناس يبحث عن المبررات بدل الإصلاح، ولعدم الاعتراف بالخطأ أسباب، من أهمها:

أولًا: الجدل والتبرير

من الناس من إذا أخطأ بحث عن الأعذار ليخفي بها خطأه، فيستمر في الباطل ويضر نفسه قبل غيره. وقد يكون قوي الجدل والبيان، فيظن أن البلاغة تنجيه، بينما يقول الله تعالى:﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾[الكهف: 54] وقال سبحانه:﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا… وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]

ويضرب القرآن مثالين متقابلين:

فإبليس لم يعترف بخطئه، بل برره بقوله:﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ فكانت النتيجة اللعنة والطرد من رحمة الله.

أما آدم عليه السلام، فلما أخطأ اعترف وقال هو وزوجه:رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[الأعراف: 23]فكان الاعتراف بالذنب سببًا للمغفرة والرحمة.

صور من واقعنا

  • من يترك الصلاة فإذا نُصح قال: أنا أفضل من بعض المصلين، والمهم أن القلب أبيض.
  • ومن لا تلتزم بالحجاب تقول: الحجاب في القلب.
  • وكم من بيت تهدم لأن أحد الزوجين رفض الاعتراف بخطئه.
  • وكم من خصومة انتهت بكلمة: «أنا أخطأت، سامحني».
  • وفي حوادث السير نجد من يتسبب في الخطأ ثم يلقي اللوم على غيره.

وكثير من المشكلات الاجتماعية سببها العناد ورفض الاعتراف بالخطأ.

وقد أمرنا الله بالعدل حتى مع أنفسنا فقال:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]وقال صلى الله عليه وسلم:«عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر…»

كما حذر من الكبر فقال:«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»وبيّن معناه بقوله:«بطر الحق وغمط الناس».

ثانيًا: الإعجاب بالرأي

من الناس من يظن أن التراجع عن رأيه ضعف، فيتعصب له ولو تبين خطؤه.

أما أهل العدل فيعلمون أن الإنسان معرض للخطأ، ولذلك كانوا يقولون:«قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب».فالنجاح الحقيقي ليس في عدم الخطأ، وإنما في سرعة تصحيحه.

ثالثًا: ترك الشورى

بعض الناس يرفض استشارة الآخرين خوفًا من أن يظهر ضعيفًا، بينما العقلاء يرون أن الشورى قوة، ولذلك قيل:«ما خاب من استشار، ولا ندم من استخار».فإذا ظهر لهم أن رأي غيرهم أصوب رجعوا إليه بتواضع.

رابعًا: الغضب

كم من كلمة قيلت ساعة الغضب هدمت بيتًا، أو قطعت رحمًا، أو أفسدت صداقة، ثم يبرر صاحبها تصرفه بدل الاعتذار.أما المؤمن الصادق فيسارع إلى إصلاح ما أفسد، ويعتذر ممن أساء إليه، لأن الاعتذار يرفعه ولا ينقصه.

خامسًا: التبرير بالقضاء والقدر

من أخطر صور التهرب من المسؤولية أن يجعل الإنسان القضاء والقدر ذريعة لأخطائه، فيقول: لو هداني الله لاهتديت، أو: هذا قدر الله.وقد ذكر القرآن احتجاج المشركين:﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: 148]

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز…»

فالمؤمن يأخذ بالأسباب ثم يرضى بقضاء الله بعد بذل الجهد.

وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الهجرة، كما تحمل الرماة في غزوة أحد مسؤولية خطئهم، ولم يلقوا اللوم على القدر.

سادسًا: التذرع بتنفيذ الأوامر

من الناس من يبرر خطأه بقوله: أنا مأمور.وقد أخبر الله عن أهل النار أنهم يقولون:﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 67]فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

سابعًا: التبريرات النفسية

ومن صورها:

  • المدخن يقول: لا أستطيع ترك التدخين.
  • والأب يهمل تربية ابنه بحجة الخوف على نفسيته.
  • ومن يرى صديقه على معصية يقول: لا أريد إحراجه.
  • ومن يسخر من الناس يقول: أنا أمزح.

وهكذا تتحول الأخطاء إلى عادات بسبب كثرة التبرير.

أيها المسلمون،

الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل شجاعة، وليس انتقاصًا من الكرامة، بل رفعة عند الله وعند الناس.

فالإنسان الكبير هو الذي إذا أخطأ قال: أخطأت، وإذا ظلم قال: سامحني، وإذا ظهر له الحق رجع إليه.

أما المكابرة والإصرار على الخطأ فسبب لضياع الحقوق وفساد العلاقات.

فلنجعل شعارنا دائمًا:الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

ونسأل الله أن يبصرنا بعيوب أنفسنا، ويرزقنا الصدق والتواضع للحق، وأن يجعلنا ممن إذا أخطؤوا استغفروا، وإذا نُصحوا قبلوا النصيحة، وإذا تبين لهم الحق اتبعوه.