يستقبل المسلمون في شهر ربيع الأول ذكرى مولد سيدنا محمد ﷺ، فتتجدد في القلوب محبته والشوق إليه، ونستحضر سيرة النبي الكريم الذي أرسله الله هدايةً ورحمةً للبشرية، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

إن الحديث عن مولد رسول الله ﷺ ليس حديثًا عن حدث تاريخي مضى، وإنما عن ميلاد رسالة أضاءت للبشرية طريقها، وأخرجت الناس من ظلمات الجهل والشرك والظلم إلى نور الإيمان والتوحيد والعدل والرحمة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46].

وقد دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يبعث في هذه الأمة رسولًا يعلمها الكتاب والحكمة ويزكيها، وبشّر عيسى عليه السلام برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، ثم بعث الله سيدنا محمدًا ﷺ، فكانت بعثته من أعظم نعم الله على المؤمنين.

عباد الله، إن محبتنا لرسول الله ﷺ ليست كلمات نرددها، ولا مشاعر تظهر في مناسبة ثم تنتهي، وإنما هي إيمان واتباع واقتداء ومنهج حياة. نحب رسول الله ﷺ حين نتعرف على سيرته، ونتعلم سنته، ونتخلق بأخلاقه، قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].

فلنسأل أنفسنا: ما أثر هذه المحبة في حياتنا؟ هل تظهر في عبادتنا وصدقنا وأمانتنا، وفي معاملتنا لأهلنا وأولادنا وجيراننا، وفي رحمتنا بالضعفاء والمحتاجين؟ فالمحبة الحقيقية يظهر أثرها في الأخلاق والسلوك والعمل.

لقد جمع الله في نبيه ﷺ أعظم الأخلاق، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. كان ﷺ صادقًا أمينًا، كريمًا رحيمًا، يعين الضعيف، ويرحم الصغير، ويوقر الكبير، ويحسن إلى الناس ويعفو عمن ظلمه.

ومحبة رسول الله ﷺ جزء من إيماننا، فقد قال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين». وهذه المحبة تحتاج إلى معرفة؛ فكلما عرف المسلم سيرة رسول الله ﷺ وأخلاقه ورحمته وتواضعه، ازداد حبًا له وحرصًا على الاقتداء به.

وهنا نصل إلى قضية مهمة بالنسبة إلينا نحن المسلمين الذين نعيش في الغرب: ما علاقة أبنائنا وبناتنا الذين وُلدوا ونشؤوا هنا برسول الله ﷺ؟

لقد نشأ كثير منا في بيئة كان فيها اسم رسول الله ﷺ حاضرًا في البيت والمدرسة والمسجد، أما أبناؤنا الذين يولدون وينشؤون في أوروبا فيعيشون في بيئة مختلفة. فالطفل هنا يرى كل يوم شخصيات رياضية وإعلامية ومشاهير ومؤثرين عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وقد يعرف عنهم الكثير، بينما تكون معرفته برسول الله ﷺ محدودة.

ولذلك فبدل أن نلوم أبناءنا، علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا قدمنا لهم؟ وهل عرّفناهم برسول الله ﷺ بطريقة تناسب أعمارهم والبيئة التي يعيشون فيها؟

لا نستطيع أن نطلب من أبنائنا محبة رسول الله ﷺ إذا لم نساعدهم أولًا على معرفته. حدثوهم عن رحمته وتواضعه وحبه للأطفال، وعن صبره وشجاعته وعدله وعفوه، وعن معاملته لأسرته وأصحابه وجيرانه. واجعلوا السيرة النبوية جزءًا من حديث الأسرة، حتى تنشأ محبتهم له عن معرفة وفهم وتتحول إلى قدوة وسلوك.

وهذه المسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها، وإنما هي مسؤولية الأسرة والمسجد والمعلم والمراكز الإسلامية والمجتمع المسلم كله. فنحن بحاجة إلى تقديم السيرة النبوية لأطفالنا وشبابنا بلغة يفهمونها وبأساليب تناسب أعمارهم وواقعهم، من خلال الدروس والقصص والأنشطة والبرامج التعليمية.

ومن هنا تأتي أهمية إحياء المناسبات الإسلامية في حياة أبنائنا، كذكرى الهجرة النبوية والمولد النبوي الشريف وغيرها من المناسبات المرتبطة بسيرة نبينا ﷺ، ولا سيما لأبنائنا الذين ينشؤون في أوروبا. فهذه المناسبات ليست مجرد ذكريات، وإنما فرص تربوية نربط من خلالها أبناءنا برسول الله ﷺ، ونعرّفهم بسيرته وأخلاقه، ونغرس في قلوبهم محبته والاقتداء به.

ومن هذا المنطلق نحث أولياء الأمور على مشاركة أبنائهم في هذه المناسبات والأنشطة، وتشجيعهم على الذهاب إلى المسجد وحضور دروسه والالتحاق بمدرسة المسجد وبرامجها التعليمية والتربوية. فالمسجد ليس مكانًا للصلاة فحسب، وإنما هو أيضًا مكان للتربية والتعليم وبناء الشخصية المسلمة.

ومدرسة المسجد تسعى إلى مساندة أولياء الأمور في هذه المسؤولية، بتحبيب المسجد إلى أبنائنا، وتعزيز ارتباطهم بالإسلام وهويتهم، وتعريفهم بنبيهم محمد ﷺ وسيرته وأخلاقه، حتى ينشؤوا وهم يعرفون دينهم، ويحبون نبيهم، ويعتزون بهويتهم.

ويمكن أن تكون ذكرى مولد رسول الله ﷺ فرصة نجلس فيها مع أبنائنا، ونقرأ معهم شيئًا من سيرته، ونسألهم: ماذا تعرفون عن رسول الله ﷺ؟ وما الصفة التي تحبونها فيه؟ وكيف نستطيع أن نقتدي به اليوم؟ وبذلك تتحول المناسبة إلى فرصة تربوية لربط أبنائنا بنبيهم ودينهم.

عباد الله، إن أفضل تعبير عن محبتنا لرسول الله ﷺ أن نجعل أخلاقه حاضرة في حياتنا؛ أن نكون صادقين لأنه كان صادقًا، وأمناء لأنه كان أمينًا، ورحماء لأنه كان رحيمًا. فليس المطلوب أن نتحدث عنه ﷺ فقط، وإنما أن يرى أبناؤنا أثر هذا الحب في أخلاقنا وسلوكنا.

أيها الآباء والأمهات، إن أبناءكم أمانة. تستطيع المدرسة أن تعلمهم العلوم واللغات، ولكن الأسرة تبقى صاحبة الدور الأول في غرس الإيمان ومحبة الله ورسوله ﷺ في قلوبهم. فلا نترك أبناءنا يعرفون الكثير عن العالم من حولهم، بينما معرفتهم بنبيهم ودينهم قليلة.

خصصوا لهم وقتًا، واقرؤوا معهم سيرته، وشجعوهم على الذهاب إلى المسجد وحضور دروسه، واجعلوا من بيوتكم مكانًا يسمع فيه الأبناء اسم رسول الله ﷺ بمحبة وتعظيم.

إن ذكرى مولد رسول الله ﷺ ليست مجرد حديث عن الماضي، بل هي مناسبة نسأل فيها أنفسنا: ماذا بقي من هدي محمد ﷺ في حياتنا؟ وماذا يعرف أبناؤنا عنه؟ وكيف ننقل هذه المحبة وهذا الهدي إلى الجيل القادم؟

فلنجعل من هذه الذكرى فرصة لتجديد علاقتنا برسول الله ﷺ، والاقتداء بسنته وأخلاقه، والقيام بمسؤوليتنا تجاه أبنائنا وبناتنا، حتى ينشأ جيل يعرف نبيه ويحبه، ويعتز بدينه وهويته، ويحمل قيم الإسلام بالحكمة والرحمة وحسن الخلق.

نسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا وقلوب أبنائنا بمحبة نبيه المصطفى ﷺ، وأن يرزقنا صدق اتباعه وحسن الاقتداء به، وأن يصلح أبناءنا وبناتنا ويحفظهم، وأن يجمعنا بنبينا محمد ﷺ يوم القيامة.