في رحاب ذكرى المولد النبوي الشريف، تعيش قلوب المؤمنين لحظات إيمانية تستحضر سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتتذكر ذلك النور الذي أشرق بمولده، ثم أضاء الله به طريق البشرية برسالته وهديه. قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ۝ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: 45-46].

مولده صلى الله عليه وسلم وتاريخه

وُلد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة في عام الفيل، نحو سنة 571 ميلادية، في بيت كريم من بيوت قريش، من بني هاشم.

وثبت أنه صلى الله عليه وسلم وُلد يوم الاثنين، فقد سُئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم وُلدتُ فيه، ويوم بُعثتُ أو أُنزل عليَّ فيه».

أما تحديد اليوم من شهر ربيع الأول، فقد اختلف فيه أهل السيرة؛ واشتهر عند جمهور المسلمين أنه الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل، بينما ذكرت المصادر أقوالاً أخرى في تحديد اليوم. ولذلك فالأدق تاريخياً أن يقال: ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين في شهر ربيع الأول من عام الفيل، نحو سنة571م، والمشهور أنه كان في الثاني عشر من ربيع الأول.

ويوافق المولد النبوي الشريف لهذا العام يوم الثلاثاء الموافق 25 اغسطس 2026م .

وقد سبق مولده في العام نفسه حدث الفيل، حين توجه أبرهة بجيشه لهدم الكعبة المشرفة، فحفظ الله بيته الحرام، وخلّد القرآن الكريم ذلك الحدث في سورة الفيل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: 1].

وكان أبوه عبد الله بن عبد المطلب قد توفي قبل مولده، فنشأ صلى الله عليه وسلم يتيماً. وأمه آمنة بنت وهب، وقد ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في سياق ذكر بشارات نبوته: «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام».

وسمّاه جده عبد المطلب محمداً، ثم أرضعته حليمة السعدية في بني سعد، حيث قضى جانباً من طفولته.

محطات زمنية من حياته صلى الله عليه وسلم

ولفهم عظمة ذكرى المولد، يحسن أن نستعرض أبرز المحطات التاريخية التي امتدت من مولده إلى انتقاله إلى الرفيق الأعلى:

  • عام الفيل – نحو 570/571م: مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، يوم الاثنين من شهر ربيع الأول.
  • نحو 576م – وعمره ست سنوات: وفاة أمه آمنة بنت وهب في الأبواء، وانتقال كفالته إلى جده عبد المطلب.
  • نحو 578م – وعمره ثماني سنوات: وفاة جده عبد المطلب، وانتقاله إلى كفالة عمه أبي طالب.
  • نحو 595م – وعمره خمس وعشرون سنة: زواجه من أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
  • نحو 605م – وعمره خمس وثلاثون سنة: مشاركته في إعادة بناء الكعبة، وحكمته في حل الخلاف بين قبائل قريش حول وضع الحجر الأسود.
  • رمضان سنة 13 قبل الهجرة، الموافق تقريباً 610م – وعمره أربعون سنة: نزول الوحي عليه في غار حراء، وبداية النبوة والرسالة، ونزول قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1].
  • نحو 613م: بداية الدعوة الجهرية في مكة بعد مرحلة الدعوة السرية.
  • نحو 615م: الهجرة الأولى لبعض المسلمين إلى الحبشة فراراً بدينهم من اضطهاد قريش.
  • نحو 619م: عام الحزن، وفيه توفيت السيدة خديجة رضي الله عنها، وتوفي عمه أبو طالب.
  • قبل الهجرة بنحو عام – نحو 621م: حادثة الإسراء والمعراج، على المشهور في ترتيب أحداث السيرة، مع وجود اختلاف بين العلماء في تحديد تاريخها.
  • ربيع الأول سنة 1هـ / سبتمبر 622م تقريباً: هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ الإسلام. ومن هذه الهجرة جُعلت بداية التقويم الهجري لاحقاً في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
  • رمضان سنة 2هـ / 624م: غزوة بدر الكبرى.
  • شوال سنة 3هـ / 625م: غزوة أُحد.
  • سنة 5هـ / 627م: غزوة الخندق أو الأحزاب.
  • ذو القعدة سنة 6هـ / 628م: صلح الحديبية.
  • رمضان سنة 8هـ / يناير 630م تقريباً: فتح مكة، وعودة النبي صلى الله عليه وسلم إليها فاتحاً متواضعاً، وإعلانه العفو عن كثير ممن آذوه وحاربوه.
  • ذو الحجة سنة 10هـ / مارس 632م: حجة الوداع، وفيها ألقى النبي صلى الله عليه وسلم خطبته الجامعة التي أكد فيها حرمة الدماء والأموال والأعراض، وحقوق الإنسان، والأخوة بين المسلمين.
  • ربيع الأول سنة 11هـ / يونيو 632م: وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، بعد أن بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة.

وهكذا امتدت حياته المباركة نحو ثلاث وستين سنة، منها قرابة أربعين سنة قبل البعثة، وثلاث وعشرون سنة نبياً ورسولاً: ثلاث عشرة سنة تقريباً في مكة، وعشر سنوات في المدينة المنورة.

من نور الميلاد إلى نور الرسالة

لقد جاء مولد النبي صلى الله عليه وسلم في زمن خيّم فيه على كثير من الناس الجهل والظلم والعصبية، ثم بعثه الله بعد أربعين عاماً ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويعيد للإنسان كرامته، وللمجتمع ميزان العدل والرحمة.

فلم يكن مولده صلى الله عليه وسلم مجرد ميلاد رجل عظيم، وإنما كان مقدمة لميلاد رسالة غيّرت مجرى التاريخ.

قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ۝ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: 15-16].

ذكرى المولد ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم

إن استذكار هذه المناسبة المباركة يعبّر عن ارتباط المؤمنين بنبيهم صلى الله عليه وسلم، واستحضار سيرته وهديه وأخلاقه.

ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست كلمات تقال فحسب، وإنما تظهر حقيقتها في اتباع هديه والاقتداء بأخلاقه والتمسك بما دعا إليه من الرحمة والعدل والصدق والأمانة والإحسان.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31].

لقد انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، لكن سيرته بقيت حية، وسنته محفوظة، ورسالته قائمة، وذكره يتردد على ألسنة المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها.

المولد النبوي وتكريم الإنسان

إن ذكرى المولد النبوي الشريف تذكّرنا بجوهر عظيم من جوهر رسالة الإسلام، وهو تكريم الإنسان وحفظ كرامته ونشر العدل والرحمة بين الناس.

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].

فجاء الإسلام ليواجه العصبية والظلم والتفاخر بالأنساب والألوان، وليؤكد وحدة الأصل الإنساني وأن التفاضل الحقيقي بين الناس بالتقوى والعمل الصالح.

وهذه الرسالة أحوج ما يكون إليها عالمنا اليوم؛ عالم تتزايد فيه النزاعات والانقسامات والكراهية، بينما يدعونا هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى حفظ الحقوق وصيانة الدماء والأعراض والعدل مع الناس والإحسان إليهم.

نبي الرحمة

إن أعظم ما ينبغي أن نستحضره في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم هو الرحمة؛ فقد كانت الرحمة عنواناً لرسالته ومنهجه.

قال تعالى:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

كانت رحمته صلى الله عليه وسلم شاملة؛ رحم الصغير، ووقّر الكبير، وعطف على الضعيف، وأوصى باليتيم والمسكين والجار، ودعا إلى الرفق والإحسان.

ولذلك فإن استذكار مولده ينبغي أن يكون مناسبة لإحياء الرحمة في بيوتنا، والتسامح في مجتمعاتنا، والإحسان إلى جيراننا، ومساعدة المحتاجين، وإصلاح ذات البين، وتربية أبنائنا على الأخلاق النبوية.

ماذا نتعلم من ذكرى المولد؟

ليست ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم مجرد استحضار لحادثة وقعت قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، وإنما هي فرصة للعودة إلى سيرته وسؤال أنفسنا: ما نصيبنا من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

هل نصدق كما كان صادقاً؟ هل نحفظ الأمانة كما حفظها؟ هل نرحم الضعيف؟ هل نحسن إلى الجار؟ هل نعفو عمن أساء إلينا؟ وهل نربي أبناءنا على معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته والاقتداء به؟

إن من أعظم صور المحبة أن نعرّف أبناءنا بسيرته، ونروي لهم مواقفه وأخلاقه، ونعلّمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس شخصية من الماضي، وإنما هو القدوة التي يستضيء المسلم بهديها في عبادته وأخلاقه وأسرته وعمله وتعامله مع الناس.

نور لا ينطفئ

لقد وُلد النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يتيماً، ثم بعثه الله وهو في الأربعين من عمره، فحمل رسالة الإسلام ثلاثاً وعشرين سنة، وهاجر إلى المدينة، وأقام مجتمعاً يقوم على الإيمان والعدل والرحمة، ثم عاد إلى مكة فاتحاً، وأكمل الله به الدين.

وها نحن بعد أكثر من أربعة عشر قرناً من الهجرة، ما زلنا نسمع اسمه في الأذان، ونصلي ونسلم عليه، ونقرأ سيرته، ونتعلم سنته، ونعلّم أبناءنا محبته.

فذكرى المولد النبوي الشريف تذكير لنا بأن النور الحقيقي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو نور الإيمان والهداية والرحمة والأخلاق، وأن محبتنا له ينبغي أن تتحول إلى عمل وسلوك.

قال الله تعالى:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

نسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا بمحبة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يرزقنا صدق اتباعه وحسن الاقتداء به، وأن يحيي فينا أخلاق الرحمة والعدل والإحسان، وأن يصلح أبناءنا وذرياتنا، ويجمعنا بنبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.