من أعظم نعم الله على الإنسان أن جعل له ميزانًا يزن به الأمور، ويميز به بين الحق والباطل والخير والشر. قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ۝ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ۝ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7-9].فالميزان هو العدل والحق الذي تنضبط به حياة الناس، وإذا كان اختلال الميزان الحسي يؤدي إلى الغش والفساد، فإن اختلال ميزان القيم والأخلاق أشد خطرًا؛ لأنه يفسد الإنسان والمجتمع. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].

هذا هو ميزان الله الذي ينبغي أن نزن به الأشخاص والأحداث والقيم. فإذا اختل هذا الميزان أصبح الباطل حقًا والحق باطلًا، ورُفع من لا يستحق، وأصبح المال والشهرة والمظهر معايير لقيمة الإنسان.

وقد أخبر النبي ﷺ عن زمن تنقلب فيه الموازين فقال: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». قيل: ومن الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة».

وكم نرى اليوم من صور هذا الاختلال؛ كذب يقدم على أنه حقيقة، وباطل يلبس ثوب الحق، وأشخاص يُرفعون بسبب شهرتهم وأموالهم، بينما قد يُهمش أصحاب العلم والفضل. ولذلك ينبغي للمسلم أن يسأل نفسه: بأي ميزان أحكم على الناس والأشياء؟ أبميزان الله والحق، أم بميزان المجتمع والشهرة والمال؟

ومن أسباب اختلال هذا الميزان الاستعجال، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [القيامة: 20]، وقال: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37].

فالإنسان إذا أحب شيئًا استعجل حصوله، وإذا كره شيئًا استعجل التخلص منه، وقد يدفعه ذلك إلى قرارات يندم عليها. ومن ذلك ما وقع لأبينا آدم عليه السلام عندما وسوس إليه الشيطان: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: 120].

ونرى العجلة اليوم في الحكم على الناس، وفي تصديق الأخبار ونشرها قبل التثبت، وفي الحوار قبل فهم كلام الآخر، وفي قرارات مصيرية كالزواج والطلاق والدراسة والعمل والسفر. وقد يتخذ الإنسان قرارًا في لحظة انفعال ثم يدفع ثمنه سنوات، ولذلك كان التأني والتثبت من أهم وسائل ضبط الميزان.

ومن أسباب اختلال الموازين أيضًا التقييم المادي للأمور؛ فقد أصبح البعض يقيس قيمة الإنسان بما يملك من مال، ووظيفة، ومسكن، وسيارة، وشهرة وعدد متابعين.

أما ميزان الله فمختلف؛ فالقيمة الحقيقية ليست في المال أو النسب أو الجمال والمكانة، وإنما في الإيمان والتقوى والأخلاق والعمل الصالح. فأبو لهب كان عم النبي ﷺ وصاحب نسب، ولم ينفعه نسبه، بينما رفع الله كثيرًا من الصحابة بالإيمان والتقوى والتضحية.

ومن أعظم الأمثلة على تصحيح هذا الميزان ما جاء في سورة عبس، حين كان النبي ﷺ يخاطب بعض وجهاء قريش يرجو إسلامهم، فجاء عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، وكان أعمى، يطلب العلم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى ۝ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ۝ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ۝ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: 1-4].

إنه درس عظيم في ضبط الميزان؛ فالإنسان لا ترتفع قيمته لأنه غني أو صاحب منصب، ولا تنخفض لأنه فقير أو ضعيف، وإنما بما يحمله من إيمان وتقوى وعمل صالح.

ويظهر ذلك أيضًا في الزواج؛ فقد ينشغل الناس بالمال والجمال والنسب ويجعلون الدين والخلق في آخر القائمة، بينما قال النبي ﷺ: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك». فالمال والجمال والنسب لها اعتبارها، ولكن الدين والخلق هما الأساس الذي يضبط الميزان.

ومن صور الاختلال الحكم على الناس بظاهرهم. فقد سأل النبي ﷺ عن رجل من أشراف الناس، ثم عن رجل من فقراء المسلمين، فقال عن الثاني: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا». فالناس قد ينظرون إلى المال والمنصب والنسب، أما ميزان الله فهو: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

ولما ضحك بعض الصحابة من دقة ساقي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أُحد». ففي ميزان البشر ساقان نحيفتان، وفي ميزان الله أثقل من جبل أُحد؛ لأن القيمة ليست في المظهر، وإنما في الإيمان والعمل.

ومن أسباب اختلال الموازين كذلك التقليد الأعمى وضغط المجتمع. فقد كان أهل الجاهلية يعظمون عادات الآباء والأجداد، قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].

وهذا يتكرر اليوم بعبارات مثل: «هكذا يفعل الناس»، «هكذا تعودنا»، «الجميع يفعل ذلك»، «ماذا سيقول الناس؟». وقد يتخلى الإنسان بسبب ذلك عن قناعته ودينه وأخلاقه خوفًا من المجتمع.

ومن أبشع الأمثلة على خطورة العادات ما كان عند بعض أهل الجاهلية من كراهية ولادة الأنثى، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ۝ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: 58-59]. فقد وصل ضغط العادات ببعضهم إلى وأد البنات، وهذا يبين خطورة أن تصبح العادة أقوى من الحق.

وقد تغيرت الصور في زماننا، لكن ضغط المجتمع ما زال قائمًا؛ فقد يدفع الإنسان إلى الإسراف والاقتراض حتى يظهر بمظهر معين، ويدفع الشباب إلى التقليد الأعمى للمشاهير والمؤثرين في المظهر وطريقة الكلام ونمط الحياة، بل وحتى في الأفكار والقيم.

وليس الخطأ في الاستفادة من الآخرين، وإنما في أن نسلم لهم عقولنا ونجعل الشهرة ميزانًا للحق؛ فالشهرة لا تجعل الخطأ صوابًا، وكثرة المتابعين لا تجعل الإنسان قدوة، وانتشار الفكرة لا يعني أنها صحيحة، وكثرة من يفعلون الباطل لا تحوله إلى حق.

وقد قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: «رأيت عادات الناس قد غلبت على عملهم بالشرع، فهم يستوحشون من فعل الشيء لعدم جريان العادة، لا لنهي الشرع».

فكم مرة نفكر فيما سيقوله الناس قبل أن نفكر فيما يرضي الله؟

إن المحافظة على الميزان الصحيح تقتضي أن نجعل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ مرجعنا، وأن نتأنى قبل الحكم والقرار، وألا نجعل المال والمظهر والمنصب والشهرة معيارًا لقيمة الإنسان، وأن نقدم الدين والخلق والتقوى، فما وافق الحق من عاداتنا قبلناه وما خالفه تركناه ولو اعتاده الناس.

إن أخطر ما يصيب المجتمع ليس فساد بعض الأشخاص فقط، وإنما فساد الميزان نفسه؛ فعندما يختل الميزان قد يصبح الخطأ نجاحًا، والباطل ذكاءً، والغش شطارة، والتفاهة شهرة، والإسراف وجاهة، ويصبح صاحب المال والمظهر أعظم في أعين الناس من صاحب العلم والخلق.

لذلك نحن بحاجة إلى إعادة ضبط موازيننا في اختيار أصدقائنا، وفي الزواج وتربية أبنائنا، وفي الحكم على الآخرين، وفي تعاملنا مع المال، وفي متابعتنا للمشاهير، وفي فهمنا للنجاح والفشل.

فليس كل ما عظمه الناس عظيمًا عند الله، وليس كل من قل شأنه في أعين الناس قليل الشأن عند الله. وليكن سؤالنا دائمًا: هل أزن أموري بميزان الله أم بميزان الناس؟

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واجعل كتابك وهدي نبيك ﷺ نورًا نهتدي به وميزانًا نزن به أمور حياتنا.