إن من أعظم النعم التي يمنّ الله بها على عبده أن يرزقه قلبًا حيًّا، يشعر بآلام الآخرين، ويسعى في قضاء حوائجهم، ويترك أينما حلّ أثرًا طيبًا. فالمسلم الصادق لا يعيش لنفسه وحدها، ولا يحصر اهتمامه في مصالحه الخاصة، بل يدرك أن وجوده في هذه الحياة أمانة، وأن عمره فرصة للعمل الصالح، وأن من تمام إيمانه أن يكون مصدر خير ورحمة لمن حوله.
إن الإيجابية في الإسلام ليست مجرد نشاط أو حركة، وإنما هي روح تنبع من الإيمان بالله، وتظهر في صدق المعاملة، وحسن الخلق، والمبادرة إلى الخير. فقد تكون الإيجابية كلمة طيبة تجبر خاطر إنسان، أو يدًا تمتد لمساعدة محتاج، أو مسعى للإصلاح بين متخاصمين، أو صبرًا على إساءة، أو عفوًا عند المقدرة. أما السلبية المذمومة فهي أن يرى الإنسان الخير ويقدر عليه ثم يعرض عنه، أو يشاهد حاجة أخيه فلا يبالي بها، أو يقف أمام المشكلات مكتفيًا بالشكوى دون أن يسعى إلى إصلاح ما يستطيع.
وقد بيّن القرآن الكريم أن من كمال صلاح الإنسان أن يتجاوز أثر إيمانه حدود نفسه إلى من حوله، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]. فتأملوا كيف وصفهم الله بالمصلحين؛ لأن المؤمن لا يكتفي بأن يكون صالحًا في نفسه، بل يسعى إلى نشر الخير وإصلاح ما يستطيع إصلاحه، بالحكمة والرحمة والإخلاص.
ومن أجمل صور المبادرة ما قصّه الله علينا عن الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، فقال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 20]. لم يمنعه بُعد المكان من أداء واجب النصيحة، ولم ينتظر من يدعوه إلى العمل، بل حمله إيمانه على السعي لهداية قومه. والأعجب أن قلبه ظل مفعمًا بالرحمة حتى بعدما قيل له ادخل الجنة، فتمنى أن يعلم قومه بما أكرمه الله به. وهكذا يكون المؤمن الصادق؛ يحمل الخير للناس، ولا يجعل إساءتهم سببًا في انطفاء الرحمة من قلبه.
وفي قصة النملة التي حذّرت قومها من جيش سليمان عليه السلام درس عظيم في الشعور بالمسؤولية، فقد بادرت إلى إنقاذ غيرها، وأحسنت الظن حين قالت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18]. وكذلك الهدهد الذي حمل إلى سليمان عليه السلام خبر قوم سبأ، فكان مثالًا للمبادرة والحرص على الخير. وفي هذه القصص رسالة لكل واحد منا: لا تحتقر دورك، ولا تستصغر ما تستطيع تقديمه، فرب عمل صغير يبارك الله فيه فيصبح سببًا لخير عظيم.
أما أعظم قدوة لنا في الإيجابية والرحمة فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لم تمنعه قسوة الناس من أن يرجو لهم الهداية. فعندما اشتد عليه الأذى في الطائف، وعُرض عليه أن يُطبق ملك الجبال على من آذوه الأخشبين، قال: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» متفق عليه. يا لها من رحمة عظيمة! لقد قابل الإساءة بالأمل، ونظر إلى المستقبل بعين الإيمان، وعلّمنا ألا نجعل جراح الحاضر تطفئ في قلوبنا نور الرجاء.
أيها الأحبة في الله، إن الإيجابية الحقيقية تبدأ من أقرب الناس إلينا؛ من بيوتنا وأسرنا وجيراننا، ثم تمتد إلى المجتمع كله. فلا يليق بنا أن نتحدث عن الرحمة ونحن نقسو على أهلنا، أو ندعو إلى حسن الخلق ونحن نسيء إلى الآخرين. والمسلم الذي يعيش في مجتمع تتعدد فيه الأديان والثقافات يستطيع أن يكون شاهدًا على جمال الإسلام بأمانته وصدقه واحترامه للناس وتعاونه معهم فيما ينفع الجميع. فالإسلام لا يدعونا إلى الانعزال عن الناس، وإنما إلى الإحسان إليهم، مع الثبات على إيماننا وقيمنا.
وقد فتح الله لنا أبواب الخير واسعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل معروف صدقة» رواه البخاري ومسلم. فليست الصدقة مالًا فحسب، بل قد تكون ابتسامة، أو مواساة، أو مساعدة لكبير في السن، أو كلمة ترفع بها معنويات إنسان أثقلته الهموم. بل إن كفّ الأذى عن الآخرين من أعظم صور الإحسان. فلا تحتقروا معروفًا، ولا تنتظروا الفرص الكبيرة، فقد يكون العمل الذي يرضي الله عنكم أقرب إليكم مما تتصورون.
ولنتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» رواه أحمد. إنه توجيه نبوي عظيم إلى العمل والأمل حتى في أصعب اللحظات. فازرع الخير ولو لم ترَ ثماره، وأحسن إلى الناس ولو لم ينتظروا إحسانك، واعمل لله ولو لم يعرف أحد ما صنعت؛ فإن ما كان لله لا يضيع عنده.
أيها الإخوة والأخوات، إن أيامنا تمضي، وأعمارنا تنقضي، ولن يبقى لنا من هذه الدنيا إلا ما قدمناه من خير. فليسأل كل واحد منا نفسه: هل كنت سببًا في إسعاد إنسان؟ هل خففت ألمًا، أو أصلحت خلافًا، أو زرعت أملًا في قلب يائس؟ إن قيمة الإنسان ليست فيما يملك أو فيما يقوله الناس عنه، وإنما فيما يحمله قلبه من إيمان، وما تتركه أعماله من أثر طيب.
فلنجعل شعارنا قول الله تعالى على لسان نبيه شعيب عليه السلام: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].
نسأل الله أن يرزقنا قلوبًا رحيمة، وأعمالًا خالصة لوجهه الكريم، وأن يجعلنا مفاتيح للخير، وأن يوفقنا لنفع الناس ونشر المحبة والسلام، وأن يترك لنا أثرًا طيبًا في الدنيا، ويرزقنا رضاه وجنته في الآخرة. آمين يا رب العالمين.



