يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: 123-124].

هذه الآية الكريمة تضع أمامنا قاعدة ربانية عظيمة، ومنهجًا متكاملًا للحياة؛ فمن اتبع هدى الله، واستقام على أمره، فقد سلك طريق السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة. ولكن قد يتساءل الإنسان: كيف يعدنا الله بعدم الشقاء، ونحن نرى المؤمنين يتعرضون للمرض والفقر والهموم والابتلاءات، وربما كانت حياتهم أشد مشقة من حياة غيرهم؟

والجواب أن هناك فرقًا بين شقاء الجسد وشقاء الروح. فشقاء الجسد من تعب ومرض ومشقة يشترك فيه جميع البشر، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]. فالدنيا ليست دار راحة دائمة، وإنما دار ابتلاء وعمل، يتقلب فيها الإنسان بين الصحة والمرض، واليسر والعسر، والفرح والحزن. فإذا جاع الجسد احتاج إلى الطعام، وإذا مرض احتاج إلى العلاج، وإذا تعب احتاج إلى الراحة. أما الروح فلها احتياجات أخرى، لا يكفي لإشباعها المال ولا متاع الدنيا؛ إنها تحتاج إلى الإيمان واليقين والقرب من الله تعالى.

وقد يمتلك الإنسان المال الوفير، ويسكن القصور، ويتمتع بكل أسباب الرفاهية، ومع ذلك يفتقد الطمأنينة والرضا، ويشعر أن شيئًا مهمًا ينقص حياته. وفي المقابل، قد يعيش إنسان آخر حياة متواضعة، ويواجه كثيرًا من المصاعب، لكن قلبه مطمئن بالله، راضٍ بقضائه، مستبشر برحمته. وهنا ندرك أن السعادة الحقيقية ليست فيما نملك بأيدينا، وإنما فيما تحمله قلوبنا من إيمان ويقين. وهذا لا يعني أن المؤمن لا يحزن أو لا يصيبه القلق، وإنما يعني أن الإيمان يمنحه زادًا روحيًا يعينه على مواجهة الشدائد.

ولهذا يقول سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]. فما الحياة الطيبة؟ هل هي كثرة المال، أم وفرة الطعام والشراب، أم خلو الحياة من المصاعب؟ إن الحياة الطيبة هي حياة الإيمان والرضا والطمأنينة، أن يشعر الإنسان بأن لحياته هدفًا وغاية، وأن يعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين. فالمؤمن إذا أصابته نعمة شكر، وإذا نزل به بلاء صبر، وإذا ضاقت به السبل لجأ إلى ربه، وأخذ بالأسباب، ولم يفقد الأمل في رحمته. إنه لا ينظر إلى الدنيا على أنها دار نعيم دائم، وإنما دار عمل وامتحان، وأن الجزاء الكامل إنما يكون في الآخرة.

وتأملوا سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خير خلق الله، كيف تعرض للأذى والتكذيب والإهانة، ومع ذلك ثبت على الحق، ولم يتراجع عن دعوته. وحين اشتد عليه الأذى في الطائف، لجأ إلى ربه يشكو إليه ضعفه ويطلب منه العون والثبات. لقد كان يعلم أن صعوبة الطريق لا تعني أنه طريق خاطئ، وأن الابتلاء ليس بالضرورة دليلًا على غضب الله. وهذه رسالة عظيمة لكل من يواجه مشقة في حياته: لا تجعل المصاعب سببًا لليأس، ولا تظن أن تأخر الفرج يعني أن الله قد تخلى عنك، بل أحسن الظن بربك، وواصل السعي، واستعن بالله ولا تعجز.

وقد دخل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعاني من شدة الحمى، فقال له: إنك لتوعك وعكًا شديدًا! فقال: «أَجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ». ثم بيّن أن ما يصيب المسلم من أذى يكون سببًا في تكفير سيئاته، فقال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ لَهُ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا» متفق عليه.

فانظروا كيف يتحول الألم في ميزان الإيمان إلى باب من أبواب الأجر وتكفير السيئات. إن المؤمن يتألم كما يتألم غيره، ويحزن كما يحزن الناس، لكنه يعلم أن صبره لا يضيع عند الله، وأن ما أصابه قد يكون سببًا لرفع درجته وتطهير نفسه. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» رواه مسلم.

وهذا الحديث يعلمنا منهجًا عظيمًا في التعامل مع الحياة؛ فالمؤمن رابح في الحالين، إن أنعم الله عليه بالصحة والمال والنجاح شكر ربه، ولم يغتر بما أوتي، بل جعل من نعم الله وسيلة للإحسان إلى الناس. وإن أصابته مصيبة صبر واحتسب، وراجع نفسه، وأخذ بالأسباب لتجاوز محنته. وهكذا لا تكون سعادته معلقة بتقلبات الدنيا وحدها، بل متصلة بإيمانه وثقته بالله.

أيها الإخوة الكرام، إن من أعظم الأخطاء أن يربط الإنسان سعادته بزوال جميع مشكلاته؛ لأنه ما إن يتجاوز مشكلة حتى قد تواجهه أخرى. فالحياة بطبيعتها مراحل متعاقبة من اليسر والعسر، ومن الراحة والتعب. والسعيد حقًا ليس من خلا طريقه من العقبات، وإنما من عرف كيف يتعامل معها بإيمان وحكمة وصبر. ولذلك كان بعض السلف يتحدثون عن نعيم الإيمان وحلاوة القرب من الله، ذلك النعيم الذي لا يستطيع المال وحده أن يشتريه، ولا المناصب أن تمنحه.

ومن هنا ندرك معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾. فالإعراض عن هداية الله يحرم الإنسان من نور عظيم يهتدي به في حياته، وقد يجعله أسيرًا لشهواته ومخاوفه، يطلب السعادة في متاع الدنيا وحده فلا يجد فيها الكفاية. فالإنسان ليس جسدًا يحتاج إلى الطعام والشراب فحسب، بل هو روح تحتاج إلى الإيمان، وقلب يحتاج إلى الذكر واليقين. ومع ذلك، فإن الضيق النفسي والمرض قد يصيبان المؤمن الصالح، ولا يجوز أن نحكم على إيمان أحد من خلال ما يعانيه من آلام.

عباد الله، إن اتباع هدى الله لا يقتصر على الصلاة والصيام وسائر العبادات، بل يشمل أخلاقنا ومعاملاتنا وقراراتنا اليومية. فعلينا أن نحاسب أنفسنا: هل أدينا حقوق الله وحقوق العباد؟ هل ظلمنا أحدًا؟ هل أكلنا مالًا حرامًا؟ هل التزمنا الصدق والأمانة؟ وهل جعلنا شرع الله ميزانًا لأعمالنا؟ فالهداية ليست مجرد معرفة الحق، وإنما الاستجابة له والعمل به. وإذا أشكل علينا أمر من أمور ديننا، رجعنا إلى أهل العلم، ولم نجعل أهواءنا حاكمة على شرع الله.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]. إنها حياة القلب بالإيمان، وحياة الروح بالقرب من الله. فكلما ازداد العبد طاعة واستقامة، وجد في إيمانه نورًا يهديه، وزادًا يعينه على مواجهة الشدائد، وقوة تدفعه إلى الخير والإحسان.

أيها الإخوة المؤمنون، إن السعادة الحقيقية ليست في أن نعيش بلا متاعب، وإنما في أن نواجه متاعب الحياة بقلوب مؤمنة، ونفوس صابرة، وثقة برحمة الله. فلنجعل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ منهجًا لحياتنا، ولنحرص على طاعته وذكره وحسن التوكل عليه، ولنتذكر أن الدنيا مهما طالت فهي دار عبور، وأن السعادة الكاملة والنعيم المقيم إنما يكونان في الآخرة.

نسأل الله تعالى أن يشرح صدورنا للإيمان، ويحيي قلوبنا بذكره، ويرزقنا الرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والشكر على نعمائه، وأن يهب لنا حياة طيبة في الدنيا، والفوز بالجنة ونعيمها في الآخرة..