من أبرز سمات عصرنا كثرة الأحداث وسرعة تغيرها، وما يصاحب ذلك من خوف وقلق على النفس والأهل والمال والمستقبل.
تتسع دائرة الحروب والصراعات، وترتفع تكاليف المعيشة والضغوط الاقتصادية والاجتماعية، كما يزداد قلق كثير من المسلمين في أوروبا على دينهم وهويتهم ومستقبل أبنائهم.
ويضاف إلى ذلك التدفق المتواصل للأخبار والتحليلات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مما يزيد مشاعر الخوف والقلق.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نقف عنده هو:
كيف يحافظ المؤمن على طمأنينة قلبه وسط كل هذه المخاوف؟
الخوف في أصله شعور فطري أودعه الله في الإنسان لحمايته من الأخطار، وليس كل خوف مذمومًا. فالإنسان إذا خاف المرض أخذ بأسباب الوقاية والعلاج، وإذا خاف على أهله أو ماله اتخذ الأسباب المشروعة لحمايتهم. وقد ذكر القرآن خوف عدد من أنبياء الله عليهم السلام.
قال موسى وهارون عليهما السلام عندما أُرسلا إلى فرعون: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 45–46] وقال سبحانه عن موسى عليه السلام:
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21]
فإذا وقع الخوف للأنبياء، وهم أكمل الناس إيمانًا، دل ذلك على أنه فطرة بشرية. ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول إلى قلق دائم يسيطر على الإنسان ويمنعه من الحياة والعمل والعبادة.
أولًا: تعميق الإيمان بالقضاء والقدر
من أعظم أسباب الطمأنينة أن يستقر في قلب المؤمن أن ما يقع في هذا الكون لا يخرج عن علم الله وقدره.
قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]
حين يوقن المؤمن أن الله حكيم رحيم، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، تهدأ نفسه ويستقر قلبه. وقال رسول الله ﷺ: «إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» رواه مسلم.
فالآجال مكتوبة والأرزاق مقدرة، ولا يستطيع الخوف والقلق أن يغيرا ما كتبه الله.
قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34]
وهذا لا يعني ترك الأسباب، بل نأخذ بها ونتوكل على الله، وتبقى قلوبنا متعلقة بمسبب الأسباب سبحانه.
ثانيًا: لا تجعل الخوف يوقف حياتك
من أخطر آثار القلق أن يدفع الإنسان إلى التوقف عن العمل والحركة وانتظار الأسوأ، وهذا ليس منهج المؤمن. قال رسول الله ﷺ: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» رواه الترمذي.
فالخوف الصحيح يدفع إلى العمل ولا يؤدي إلى الاستسلام. نخطط ونحتاط ونحمي أسرنا وأموالنا، ولكننا لا نعيش أسرى للخوف.
والأولى بالمؤمن أن يخاف مما يبعده عن الله، وأن يعمل لما ينجيه في الآخرة. قال تعالى:﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40–41]
ثالثًا: تجديد الإيمان والإكثار من ذكر الله
في أوقات الأزمات يحتاج القلب إلى غذائه الحقيقي، وإذا ابتعد الإنسان عن الله أصبح أكثر عرضة للخوف واليأس والاضطراب.
أما ذكر الله فيعيد للقلب توازنه وطمأنينته. قال تعالى:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾[الرعد: 28] وقال سبحانه:﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[الأحقاف: 13]
فالطمأنينة لا تأتي من غياب المشكلات، وإنما من الإيمان بالله. وقد تضطرب الأحداث من حولنا، بينما يبقى القلب ثابتًا متصلًا بربه.
رابعًا: استحضار معية الله
من أعظم ما يبدد الخوف أن يستحضر المؤمن معية الله.
عندما خاف موسى وهارون عليهما السلام من فرعون قال الله لهما:﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾
[طه: 46] وعندما وصل موسى إلى البحر وفرعون وجنوده خلفه، قال أصحابه:﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾فأجابهم موسى بكل يقين: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61–62]
لم يكن موسى يعلم كيف ستكون النجاة، والبحر أمامه والعدو خلفه، لكنه كان يعلم أن الله معه.
وهذه هي طمأنينة المؤمن؛ فقد لا تعرف كيف ستنتهي الأزمة أو ماذا سيحدث غدًا، ولكنك تعلم أن ربك معك، يسمعك ويراك، ولن يضيع من توكل عليه.
خامسًا: لا تجعل الأخبار مصدرًا دائمًا للخوف
من أسباب القلق في عصرنا كثرة متابعة الأخبار والشائعات والتحليلات. فليس كل ما يصل إلينا يستحق النشر، وليس كل تحليل نسمعه حقيقة.
وقد أرشدنا القرآن إلى رد الأمور المهمة إلى أهل العلم والاختصاص.
قال تعالى:﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾[النساء: 83]
فلا ينبغي للمسلم أن يقضي يومه متنقلًا من خبر مخيف إلى آخر، حتى تصبح حياته انتظارًا للمصيبة القادمة.
خذ من الأخبار ما تحتاج إليه، وتحقق من مصادرها، ثم عد إلى حياتك وعملك وأهلك وعبادتك.
عباد الله،
لسنا مطالبين بأن نعيش بلا خوف، فهذا أمر لا يملكه البشر، وإنما المطلوب ألا يتحول خوفنا إلى يأس، ولا قلقنا إلى سوء ظن بالله، وألا تمنعنا الأحداث من العمل والعبادة والقيام بواجباتنا.
فلنأخذ بالأسباب، ولنحسن التخطيط، ولنحفظ أهلنا وأبناءنا، ولتظل قلوبنا متعلقة بالله.
فالمؤمن لا يطمئن لأن الدنيا آمنة دائمًا، وإنما يطمئن لأنه يعلم أن أمره كله بيد الله.
نسأل الله أن يبدّل خوفنا أمنًا، وقلقنا سكينةً وطمأنينة، وأن يحفظنا وأهلينا وأبناءنا وبلادنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرزقنا قلوبًا مطمئنة، وإيمانًا ثابتًا، وتوكّلًا صادقًا عليه، إنه سميع مجيب.


