من السور الكريمة التي تعالج مشكلات واقعية واجتماعية في حياة الناس سورة المطففين. والتطفيف لا ينبغي أن يُفهم بمعناه الضيق، أي النقص في الكيل والوزن فحسب، بل بمعناه الأوسع: أن يستوفي الإنسان حقه كاملاً حين يكون آخذاً، ثم ينتقص حقوق الآخرين أو يتهرب منها حين يكون معطياً. قال الله تعالى:﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۝ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾.

وهذا المعنى لا يقتصر على البيع والشراء، بل يظهر في مختلف جوانب الحياة. فكلما طالب الإنسان بحقه كاملاً، ثم تساهل في أداء حقوق الآخرين، ظهرت فيه صورة من صور التطفيف.

ومن اللافت أن سورة المطففين تربط بين التعامل مع حقوق الناس والإيمان باليوم الآخر، وكأن من مقتضيات الإيمان بالله أن يظهر أثره في معاملات الإنسان وعدله وإنصافه وأدائه للحقوق.

ومن هنا يمكن الحديث عن صور جديدة للتطفيف في عصرنا.

أولاً: التطفيف مع الخالق

قد يكون الإنسان مطففاً في علاقته مع ربه حين يريد من الله الكثير، بينما يقدم من العبادة والطاعة القليل.

يريد الصحة والرزق والستر والذرية الصالحة وإجابة الدعاء ودوام النعم، لكنه قد يقصر في الصلاة، أو بر الوالدين، أو أداء ما افترضه الله عليه. فإذا نقصت نعمة أو أصابه ابتلاء، تأخر في التوبة والعودة إلى الله.

قال تعالى:**﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: 11].

ومن التطفيف أن نطلب الأشياء دون الأخذ بأسبابها: نطلب إجابة الدعاء دون تحري الحلال، والمغفرة دون توبة، والبركة في العمر والرزق مع التفريط في الصلاة وصلة الأرحام. وفي الحديث: «تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة». فليس من الإنصاف أن نريد من الله تمام النعم، ثم نؤدي حقه سبحانه منقوصاً.

 

ثانياً: التطفيف مع الخَلْق

يظهر التطفيف كثيراً في العلاقات الاجتماعية. فقد يريد الإنسان من أخيه أو صديقه السؤال والاهتمام والمؤازرة والرعاية، لكنه عندما يصبح هو المطالب بالعطاء يتجاهل أو يبرر تقصيره.

وفي المعاملات التجارية قد يضخم المشتري عيوب السلعة ليخفض ثمنها، فإذا أصبح بائعاً حاول التقليل من عيوبها ورفع سعرها.

وهكذا يختلف الميزان باختلاف موقع الإنسان: إذا كان آخذاً طلب الكمال، وإذا كان معطياً بحث عن الأعذار.

والإنصاف الحقيقي أن يكون للإنسان ميزان واحد، سواء كان الحق له أم عليه.

 

ثالثاً: التطفيف الأسري

من أوضح صور التطفيف ما يحدث داخل الأسرة.

قد يطالب الزوج زوجته بالكمال في شؤون المنزل والأولاد وحسن التعامل مع عائلته، بينما يقصر هو في واجباته تجاهها. وقد يحدث العكس؛ فتطالب الزوجة بحقوقها كاملة، وتتساهل فيما عليها من حقوق.

ومن صور التطفيف أن يختار الإنسان القانون أو الشرع بحسب ما يحقق له المصلحة؛ فإذا كان أحدهما يعطيه أكثر طالب به، وإذا كان الآخر يخفف ما عليه تمسك به. والعدل أن نلتزم بالحق سواء كان لنا أم علينا.

وقد يطالب الآباء أبناءهم بكمال البر والطاعة مع التقصير في التربية والرعاية، وقد ينسى الأبناء ما قدمه الآباء لهم ويضخمون أخطاءهم.

ومن التطفيف الأسري أيضاً نسيان الحسنات عند الخلاف وتضخيم السيئات. فقد يعيش الزوجان سنوات من المعروف، ثم يقع خلاف فتُنسى كل الحسنات ولا يبقى في الذاكرة إلا الخطأ.

رابعاً: التطفيف مع الدولة والمجتمع

قد يحرص الإنسان على استيفاء كل حق تمنحه له الدولة، لكنه عندما يأتي وقت أداء التزاماته يبحث عن وسائل للتهرب منها.

ومن ذلك التحايل في الضرائب، أو تقديم معلومات غير صحيحة للحصول على مساعدات لا يستحقها، وعدم إتمام ساعات العمل، والانشغال بأمور شخصية أثناء وقت العمل، أو تسجيل ساعات أكثر مما عمل فعلياً، أو الحصول على إجازات مرضية بغير حق.

ومن التطفيف كذلك ركوب وسائل النقل دون شراء التذكرة عند غياب الرقابة، أو استغلال جهل بعض الناس بالقوانين أو اللغة لأكل حقوقهم.

ومن صوره أيضاً أن نستنكر الظلم والتمييز عندما يقع علينا، ثم نصمت عندما يقع على الآخرين.

 

المطفف في عصرنا ليس بالضرورة تاجراً ينقص من الميزان، بل قد يكون إنساناً يحمل في داخله ميزانين:

ميزاناً شديد الدقة عندما يتعلق الأمر بحقوقه، وميزاناً متسامحاً عندما يتعلق الأمر بحقوق الآخرين.

إذا كان آخذاً طلب الكمال، وإذا أصبح معطياً رضي بالنقص. إذا ظُلم طالب بالعدل، وإذا وقع الظلم على غيره سكت عنه.

وهنا يظهر عمق رسالة سورة المطففين؛ فهي لا تعلمنا فقط ألا ننقص الكيل والميزان، بل تدعونا إلى سؤال أنفسنا:

هل نستخدم الميزان نفسه عندما نأخذ وعندما نعطي؟

قبل أن نطالب بحقوقنا، لنسأل أنفسنا عن حقوق الآخرين علينا، وقبل أن نحاسب الناس على تقصيرهم معنا، لنسأل: هل أدينا نحن ما علينا تجاههم؟

فالمجتمع لا يستقيم بالمطالبة بالحقوق وحدها، وإنما حين يقترن طلب الحق بأداء الواجب، وحين يكون للإنسان ميزان واحد لنفسه ولغيره.

اللهم طهّر قلوبنا من الظلم والغش والتطفيف، وارزقنا العدل والإنصاف في أقوالنا وأعمالنا ومعاملاتنا.

اللهم أعنّا على أداء حقك وحقوق عبادك، واجعلنا ممن إذا أخذوا عدلوا، وإذا أعطوا أوفوا، وإذا اؤتمنوا أدّوا الأمانة.