تعالوا نتأمل اليوم نعمة عظيمة من نعم الله، نعيش في ظلها ليلًا ونهارًا، وربما لا نشعر بقيمتها، مع أنها لو زالت عنا لتغيرت حياتنا. إنها نعمة الستر. وأريد أن أسألكم: ماذا لو أن الله سبحانه وتعالى جعل ذنوب كل إنسان مكتوبة على وجهه؟ وماذا لو أن كل خطأ ارتكبناه في الخفاء أصبح ظاهرًا أمام الناس؟ كيف نعيش؟ وكيف يلقى بعضنا بعضًا؟ وكيف ينظر الإنسان إلى نفسه إذا عرف الناس ما ستره الله عليه؟

إن الإنسان قد يستحي من الناس إذا رأوه على خطأ، ولكنه قد ينسى أن الله يراه في كل وقت. يقول الحق سبحانه: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]. تأملوا هذا التعبير القرآني: خائنة الأعين! تلك النظرة التي يظن صاحبها أن أحدًا لم يلحظها، وذلك القصد الذي لم ينطق به اللسان، وذلك السر الذي أخفاه الإنسان عن أقرب الناس إليه، كل ذلك يعلمه الله. فإذا كان الله يعلم ما نخفيه، فلماذا لم يكشفنا؟ وإذا كان قادرًا على مؤاخذتنا، فلماذا يمهلنا؟ هنا تظهر رحمة الله وحلمه بعباده.

يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَٰكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل: 61]. انظروا يا عباد الله، لو أن كل إنسان عوقب فور وقوعه في الذنب، فمن منا يسلم؟ ومن منا لم يخطئ أو يقصر في حق ربه أو حق غيره؟ إن الله يعلم ضعف الإنسان، ولذلك لم يغلق أمامه باب الرجوع. ولكن ينبغي أن نفهم أمرًا مهمًا: إن ستر الله عليك ليس دليلًا على رضاه عن معصيتك، وإمهاله لك لا يعني أنه غافل عما تفعل، وإنما يمهلك لتراجع نفسك، وتستغفر ربك، وتصلح ما أفسدت.

أيها المؤمنون، قد يغلق الإنسان باب غرفته ويظن أنه بعيد عن أعين الناس، ولكن هل يستطيع أن يغلق بابًا بينه وبين علم الله؟ يقول سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾ [العلق: 14]. إنها آية قصيرة، ولكن لو استقرت حقيقتها في القلوب لتغير كثير من أحوالنا. فالإنسان الذي يستحضر أن الله يراه لا يحتاج دائمًا إلى رقيب من البشر، لأن مراقبة الله تصبح حاضرة في ضميره. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ» رواه الترمذي. أي اتق الله في المسجد والسوق، في بيتك وعملك، أمام الناس وفي خلوتك، عندما تملك القدرة على الخطأ ولا يراك أحد.

ولكن يا عباد الله، هل معنى ذلك أن المؤمن لا يخطئ؟ لا، فالإنسان ليس معصومًا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه بعض أهل العلم. فليست العبرة بأن الإنسان لم يقع في خطأ، وإنما أن يعرف خطأه، وألا يستكبر عن الرجوع إلى الحق. إن الله لا يريد من عبده أن ييأس إذا أذنب، بل أن يتوب ويصلح عمله.

ولذلك يقول سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. تأملوا النداء: يا عبادي! لم يقل سبحانه: يا من لم تذنبوا، وإنما نادى الذين أسرفوا على أنفسهم. فمهما كثرت ذنوبك، فلا تجعلها حاجزًا بينك وبين التوبة، ولكن لا تجعل سعة المغفرة حجة للاستمرار في المعصية. فالتوبة ندم صادق، وإقلاع عن الذنب، وعزم على عدم العودة إليه، ورد للحقوق إلى أصحابها.

أيها الإخوة المؤمنون، وإذا كان الله قد ستر عليك، فهل يليق بك أن تكشف ستر أخيك؟ وإذا كنت تحب أن يغفر الله لك زلتك، فلماذا لا ترحم من أخطأ؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» رواه مسلم. إن بعض الناس قد يرى خطأ من أخيه، فيجعله حديث المجالس، وينقله من شخص إلى آخر. وقد أصبح هذا الأمر أشد خطورة في زماننا، حيث تنتقل الكلمة والصورة في لحظات، وقد تهدم سمعة إنسان وأسرته بسبب خبر لم نتثبت منه. يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12].

ولكن الستر لا يعني السكوت عن الظلم، ولا إخفاء الاعتداء على حقوق الناس، فإن حماية المظلوم ورد الحقوق واجب. وإنما الستر أن تنصح أخاك دون تشهير، وأن تحفظ خصوصيته دون أن تعين على باطل. فقبل أن تتحدث عن خطأ غيرك، انظر إلى نفسك، وقبل أن تفرح بفضيحة إنسان، تذكر كم ستر الله عليك، وقبل أن تغتر بمدح الناس لك، تذكر أن الله يعلم منك ما لا يعلمون.

عباد الله، إن نعمة الستر ليست دعوة إلى الغفلة، بل إلى الحياء من الله وشكره بطاعته والرحمة بعباده. فاجعل سريرتك خيرًا من علانيتك، وعلاقتك بالله أصدق من صورتك أمام الناس. وتذكر أن ستر الله عليك في الدنيا نعمة، ولكن الأعظم أن تنال مغفرته ورحمته يوم تقف بين يديه.

أيها المؤمنون، تعالوا نتأمل ذلك اليوم العظيم، يوم لا تنفع الإنسان شهرته ولا منصبه ولا ماله، وإنما ينفعه إيمانه وعمله الصالح ورحمة الله. يقول الحق سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9]. يوم تظهر الحقائق، ويعلم الإنسان أن ما أخفاه عن الناس لم يكن خافيًا على الله. وقد جاء في الصحيحين أن الله سبحانه يقول لعبده المؤمن بعد أن يقرره بذنوبه: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ». الله أكبر! أي رحمة أعظم من هذه؟ عبد أخطأ، والله يعلم خطأه، ثم ستره في الدنيا، وتفضل عليه بالمغفرة في الآخرة. ولكن هذه البشارة لا تعني أن نأمن الحساب أو نستهين بالذنوب، بل أن نجمع بين الخوف من تقصيرنا والرجاء في رحمة ربنا.

فاسأل نفسك يا عبد الله: ماذا أعددت لذلك اليوم؟ هل أصلحت ما بينك وبين الله؟ هل رددت الحقوق إلى أصحابها؟ هل حفظت لسانك من الغيبة؟ هل عاملت أهلك بالرحمة والعدل؟ وهل إذا خلوت بنفسك تذكرت أن الله يراك؟ إن المؤمن لا ينشغل بعيوب الناس عن عيوب نفسه، ولا يؤجل التوبة وكأنه يضمن أن يعيش إلى الغد.

قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. فباب التوبة مفتوح، والعاقل من اغتنم الفرصة قبل فواتها. ومن شكر نعمة الستر أن نحفظ ألسنتنا، ونطهر قلوبنا، ونحسن إلى الناس، وألا نحتقرهم بسبب أخطائهم، فرب مذنب تاب إلى الله توبة صادقة، ورب إنسان اغتر بعمله فنسي فضل الله عليه.

أيها الأحبة في الله، إن قيمة الإنسان عند الله ليست في ماله ولا مكانته بين الناس، وإنما في صدق قلبه وإخلاص عمله. فقد يكون العبد مجهولًا في الأرض، عظيمًا عند الله بتقواه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» رواه مسلم.

فيا عباد الله، أصلحوا سرائركم كما تصلحون ظواهركم، واجعلوا ستر الله عليكم بابًا للتوبة والشكر، لا سببًا للغفلة. واعلموا أن الدنيا زائلة، وأن العبرة ليست بما يراه الناس منا، بل بما نلقى الله به من قلب سليم وعمل صالح.

نسأل الله أن يستر عيوبنا، ويغفر ذنوبنا، ويطهر قلوبنا، ويصلح أعمالنا، وأن يرزقنا صدق التوبة وحسن الخاتمة، وأن يجعلنا من عباده الذين سترهم في الدنيا، وعفا عنهم يوم القيامة، برحمته يا أرحم الراحمين. آمين يا رب العالمين.