كل مساء نفعل شيئًا لا نكاد نفكر فيه. نغمض أعيننا ونترك العالم من أيدينا: العمل، والهموم، والخطط، والأحاديث التي لا تزال تتردد في رؤوسنا. لساعات قليلة لا يبقى شيء تحت سيطرتنا. يعلّمنا الإسلام أن هذه اللحظة العادية ليست بلا معنى. فالنوم آية من آيات الله ودرس يومي عن الحياة والموت والثقة به.

موت صغير كل ليلة

يقول الله تعالى: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (الزمر 39:42)

ومثله في سورة الأنعام: «وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى» (6:60)

فالنوم إذن تسليم صغير. كل مساء نعيد روحنا إلى يدي من وهبها لنا، وكل صباح نستلمها من جديد كهدية. ولذلك كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه قال: «باسمك اللهم أموت وأحيا»، وإذا استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» (البخاري 6312)

أن يضطجع الإنسان كمن يسلّم أمره

علّم النبي ﷺ أصحابه كيف ينامون. قال للبراء بن عازب: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك… فإن متّ من ليلتك فأنت على الفطرة» (البخاري 247، مسلم 2710)

وفي موضع آخر علّمنا هذا الدعاء: «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (البخاري 6320، مسلم 2714)

هذه الكلمات ليست مجرد ألفاظ. إنها تعلّمنا أن نضطجع لا كمن هو متعب فحسب، بل كمن يسلّم شيئًا. ما لا نطيق حمله نضعه. وما لا نقدر على حلّه نسلّمه إلى الله. وهو نفسه لا ينام: «لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ» (البقرة 2:255). ولذلك يمكننا أن ننام مطمئنين.

تنام الأعين ويبقى القلب يقظًا

لكن الاستيقاظ الحقيقي ليس مجرد فتح العينين. يقول الله تعالى: «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (الحج 22:46)

فقد يمشي الإنسان طوال يومه وعيناه مفتوحتان وهو في الحقيقة نائم: لا ينتبه لآيات الله، يعيش بالعادة، وينسى لماذا هو هنا. قال النبي ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (البخاري 52، مسلم 1599)

وعن نفسه قال النبي ﷺ لعائشة: «تنام عيناي ولا ينام قلبي» (البخاري 1147). هذه حالة يمكننا أن نسعى إليها. الجسد يرتاح، لكن القلب يبقى متصلاً بربه.

الاستيقاظ بداية جديدة

نبّهنا النبي ﷺ أيضًا إلى أن الصباح له قيمته. يعقد الشيطان على قافية رأس النائم ثلاث عقد. فإذا استيقظ وذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت عقدة، فإذا صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس (البخاري 1142، مسلم 776)

فكل صباح قيامة صغيرة. لا نسترد أمس، بل نستلم يومًا جديدًا ومعه فرصة جديدة.

خاتمة

حين تضطجع الليلة، حاول أن تتوقف لحظة. توضأ، واضطجع على شقك الأيمن، وقل كلمات النبي ﷺ وأنت تعي معناها. ضع عند عتبة النوم ما لا تطيق حمله، وسلّمه إلى من لا ينام. وفي الصباح اشكر على أنه أُعطي لك يوم آخر.

النوم يعلّمنا التسليم كل ليلة. والاستيقاظ يعلّمنا الشكر كل صباح. ومن تعلّم هذا، سيصحو يومًا حتى في مكان لا ليل فيه بعد ذلك.