إن من نعم الله تعالى على هذه الأمة أن جعل لها في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم منارات تهديها إلى طريق الحق، ومن أعظم تلك المنارات التأمل في أحداث التاريخ، والنظر في أحوال الأمم السابقة، واستحضار ما جرى للأنبياء وأتباعهم من ابتلاءات وانتصارات، وما آل إليه أمر الطغاة والظالمين من هلاك وخسران. فالمؤمن لا يقرأ التاريخ لمجرد الاطلاع على أخبار الماضي، وإنما يقرأه بعين الاعتبار، ويستخلص منه الدروس والعبر التي تعينه على فهم واقعه، وتصحيح مساره، والثبات على الحق.

ولهذا أكثر القرآن الكريم من ذكر قصص الأنبياء والأمم السابقة، وربطها بواقع الناس وحياتهم، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111]. فالتاريخ في المنظور الإسلامي ليس أحداثًا جامدة انتهى زمانها، بل هو مدرسة متجددة يتعلم منها المسلم سنن الله في خلقه، وكيف تكون عاقبة الإيمان والصبر والثبات، وكيف تكون نهاية الظلم والطغيان والفساد.

ومن يتأمل أحداث التاريخ يدرك أن أعظم أسباب هلاك الأمم والأفراد هو الظلم، وأن العدل أساس النجاة والفلاح. ولذلك كان من الواجب على المسلم أن يبتعد عن الظلم بجميع صوره وأشكاله، وأن يبدأ بنفسه، فإن من أعظم الظلم ظلم الإنسان لنفسه بالمعاصي والذنوب والإعراض عن أمر الله تعالى. كما يجب عليه أن يحذر من ظلم الآخرين بأخذ أموالهم بغير حق، أو الانتقاص من حقوقهم، أو الاعتداء عليهم، أو الإساءة إليهم بالغيبة والنميمة والبهتان، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وما انتشرت الفتن والمحن بين الناس إلا بسبب الظلم والتعدي على الحقوق.

ومن هنا تأتي مناسبة شهر الله المحرم ويوم عاشوراء لتجدد في القلوب معاني الإيمان واليقين، وتذكر المؤمنين بسنن الله الثابتة في نصرة الحق وأهله، وإهلاك الباطل وأتباعه، مهما امتلكوا من قوة وسلطان. إنها مناسبة تعيد إلى الأذهان قصة من أعظم قصص التاريخ الإنساني، قصة الصراع بين الإيمان والطغيان، وبين موسى عليه السلام وفرعون، تلك القصة التي ستبقى عبر العصور مصدر إلهام للمؤمنين ودليلًا على أن العاقبة للمتقين.

وشهر المحرم من الأشهر الحرم التي عظّمها الله سبحانه وتعالى وخصها بمزيد من الفضل والتشريف، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217]. وهو الشهر الوحيد الذي أضيف إلى اسم الله تعالى إضافة تشريف وتعظيم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» رواه مسلم.

وقد يتساءل البعض: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الصيام في شهر شعبان مع أن أفضل الصيام بعد رمضان هو صيام شهر الله المحرم؟ وقد أجاب العلماء بأن النبي صلى الله عليه وسلم ربما لم يعلم فضل الإكثار من الصيام في المحرم إلا في أواخر حياته، أو أن أعذارًا كالسفر والمرض وغيرهما حالت بينه وبين الإكثار من الصيام فيه.

وفي هذا الشهر المبارك يوم عظيم من أيام الله، هو يوم عاشوراء، اليوم العاشر من المحرم، ذلك اليوم الذي نجّى الله فيه نبيه موسى عليه السلام وقومه، وأغرق فرعون وجنده، ليبقى شاهدًا خالدًا على أن الحق منصور وإن بدا ضعيفًا، وأن الباطل مهزوم وإن بدا قويًا.

ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن سبب صيامهم، فقالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا لله تعالى. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأنا أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه.

إن عاشوراء ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو رسالة متجددة للأمة في كل زمان ومكان. فهو يذكر المؤمنين بأن الطغيان مهما بلغ من القوة والجبروت فإن نهايته إلى زوال، وأن الظالم مهما طال أمده فإن مصيره إلى الهلاك، وأن الله سبحانه لا يضيع عباده المؤمنين إذا تمسكوا بالحق وصبروا على البلاء.

لقد كان فرعون يملك الجيوش والسلطان والمال والنفوذ، حتى بلغ به الكبر أن ادعى الربوبية، ومع ذلك لم تغن عنه قوته شيئًا عندما جاء أمر الله. فغرق هو وجنده، وأصبح عبرة لكل متجبر وطاغية. وهذه سنة الله الجارية في كل زمان، فما من ظالم استعلى في الأرض وتكبر على الخلق إلا كانت نهايته الخسران والندم، وإن تأخر ذلك حينًا.

ومن أعظم ما تمنحه ذكرى عاشوراء للمؤمنين أنها تغرس في قلوبهم الثقة بالله، وحسن التوكل عليه، والصبر على الشدائد، واليقين بأن الفرج يأتي بعد الكرب، وأن النصر يولد من رحم المعاناة. فكما نجّى الله موسى وقومه حين أحاط بهم الخوف من كل جانب، وشق لهم البحر طريقًا يابسًا، فهو سبحانه قادر على أن يفتح لعباده أبواب الفرج من حيث لا يحتسبون.

ولذلك كان صيام عاشوراء شكرًا لله تعالى على نعمة النجاة والنصر، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم عظيم فضله بقوله: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» رواه مسلم. وهو فضل عظيم من الله تعالى أن يجعل صيام يوم واحد سببًا في تكفير ذنوب سنة كاملة.

وقد مر صيام عاشوراء بعدة مراحل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكان يصومه في مكة، ثم أمر بصيامه في المدينة، فلما فرض الله صيام رمضان بقي عاشوراء سنة مؤكدة ومستحبة. ثم أراد النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته مخالفة أهل الكتاب فقال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» رواه مسلم، ولذلك استحب العلماء صيام التاسع مع العاشر، أو العاشر مع الحادي عشر.

وخلاصة الأمر أن شهر الله المحرم موسم عظيم من مواسم الطاعة، وأن يوم عاشوراء يوم مبارك يجمع بين عبادة الصيام واستحضار معاني الشكر والثبات والصبر واليقين بنصر الله. وهو يوم يذكر المؤمن بأن الحق لا بد أن ينتصر، وأن الباطل لا بد أن يزهق، وأن الله سبحانه وتعالى ينصر أولياءه ولو بعد حين.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لصيام شهره المحرم، وأن يرزقنا صيام يوم عاشوراء إيمانًا واحتسابًا، وأن يجعلنا من أهل العدل والحق، وأن يطهر قلوبنا من الظلم والبغي، وأن يرزقنا حسن الاتعاظ بآياته وأيامه، وأن يثبتنا على الهدى حتى نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.