مع غروب شمس عام هجري واستقبال عام جديد، يقف المسلم وقفة تأمل ومراجعة، يتذكر فيها حدثاً عظيماً غيّر مجرى التاريخ، وأحدث تحولاً عميقاً في مسيرة الدعوة الإسلامية، ألا وهو الهجرة النبوية المباركة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.
ويستقبل المسلمون هذا العام السنة الهجرية الجديدة 1448 هـ، والتي توافق فلكياً يوم الثلاثاء 16 يونيو/حزيران 2026م، لتبدأ بذلك صفحة جديدة من عمر الأمة، وفرصة جديدة لمحاسبة النفس وتجديد العهد مع الله تعالى.
إن الهجرة النبوية ليست مجرد انتقال من مكان إلى مكان، بل هي حدث تاريخي وحضاري عظيم، شكّل نقطة تحول فاصلة في تاريخ الإسلام، وانتقلت به الدعوة الإسلامية من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد إلى مرحلة التمكين وبناء الدولة والمجتمع.
لقد بعث الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة يدعو الناس إلى عبادة الله وحده ونبذ الشرك والظلم. وعلى مدى ثلاثة عشر عاماً تحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صنوف الأذى والاضطهاد من قريش. فقد تعرض المسلمون للتعذيب والمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية، وصودرت أموال بعضهم، واضطر فريق منهم إلى الهجرة إلى الحبشة فراراً بدينهم.
ومن أبرز الأحداث التي سبقت الهجرة النبوية المقاطعة الظالمة التي فرضتها قريش على بني هاشم والمسلمين في شِعب أبي طالب، والتي استمرت سنوات طويلة عانى خلالها المسلمون الجوع والحرمان. ثم جاءت وفاة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان يوفر له الحماية القبلية، تلتها وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها، الزوجة الوفية التي كانت السند والدعم في أصعب الظروف. ولذلك سمي ذلك العام بـ«عام الحزن».
وبعد ذلك خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يبحث عن من ينصر الدعوة ويحمل رسالة الإسلام، لكنه قوبل بالرفض والسخرية والأذى، ورُمي بالحجارة حتى أُدميت قدماه الشريفتان. ومع ذلك لم يفقد ثقته بربه، بل استمر في دعوته وصبره وثباته.
وفي هذه الأثناء بدأت بوادر الفرج الإلهي تظهر عندما التقى النبي صلى الله عليه وسلم بمجموعة من أهل يثرب الذين استجابوا للدعوة وآمنوا برسالته. ثم جاءت بيعتا العقبة الأولى والثانية، حيث تعهد أهل المدينة بنصرة النبي صلى الله عليه وسلم وحمايته، فكانت تلك البيعات الأساس الذي مهد للهجرة المباركة.
وعندما أذن الله تعالى لنبيه بالهجرة، لم تكن الهجرة عملاً عشوائياً أو ارتجالياً، بل كانت نموذجاً فريداً في التخطيط والأخذ بالأسباب مع كمال التوكل على الله تعالى. فقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه رفيقاً له في الرحلة، واختبأ معه في غار ثور عدة أيام، واستعان بدليل خبير بالطريق، ورتب وسائل نقل الأخبار والطعام، ثم انطلق نحو المدينة المنورة وسط مطاردة قريش له.
وقد سجل القرآن الكريم هذه اللحظات الخالدة في قوله تعالى:
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
ووصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة سنة 622م، فاستقبله أهلها بالحب والمحبة والفرح، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الإسلام.
وفي المدينة المنورة تأسست أول دولة إسلامية في التاريخ، وبُني المسجد النبوي ليكون مركزاً للعبادة والتربية وإدارة شؤون المجتمع، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، ووضع وثيقة المدينة التي نظمت العلاقة بين مختلف مكونات المجتمع، ورسخت مبادئ العدالة والتعايش والتعاون.
وكان للهجرة أثر بالغ في مجريات التاريخ الإسلامي؛ فمن المدينة انطلقت الدعوة الإسلامية بقوة، وفيها وقعت الأحداث الكبرى مثل غزوة بدر وأحد والخندق وصلح الحديبية وفتح مكة، ومنها انتشرت رسالة الإسلام إلى أنحاء الجزيرة العربية ثم إلى العالم كله. ولولا الهجرة لما قامت الدولة الإسلامية التي حملت رسالة التوحيد والعدل والعلم والحضارة إلى الشعوب والأمم.
ومن هنا نفهم لماذا اختار المسلمون الهجرة بدايةً لتقويمهم الإسلامي.
ففي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبعد اتساع الدولة الإسلامية، ظهرت الحاجة إلى تأريخ المكاتبات والوثائق الرسمية بتاريخ موحد. فجمع عمر كبار الصحابة للتشاور في تحديد بداية للتقويم الإسلامي. وطُرحت عدة مقترحات، منها أن يبدأ التاريخ بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم أو ببعثته أو بوفاته، لكن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على أن تكون الهجرة النبوية هي بداية التقويم الإسلامي.
وقد كان هذا الاختيار موفقاً وعميق الدلالة؛ لأن الهجرة لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت بداية مرحلة التمكين بعد الاستضعاف، وبداية قيام الدولة الإسلامية بعد سنوات من الصبر والمجاهدة. كما أنها جسدت معاني الإيمان والتضحية والتوكل والأخذ بالأسباب، وهي المعاني التي ينبغي أن تبقى حية في وجدان الأمة عبر الأجيال.
ورغم أن الهجرة وقعت في السنة الميلادية 622م، فإن اعتمادها بداية للتقويم الإسلامي تم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد ذلك بسنوات، وأصبح العام الذي وقعت فيه الهجرة هو السنة الأولى للهجرة التي يبدأ منها العد الهجري إلى يومنا هذا.
إن استقبال العام الهجري الجديد ليس مناسبة للاحتفال الشكلي أو لتغيير الأرقام والتواريخ فحسب، بل هو دعوة صادقة إلى مراجعة النفس، ومحاسبة الأعمال، وتصحيح المسار، واستلهام دروس الهجرة في الصبر والثبات والتضحية والتوكل على الله تعالى والأخذ بالأسباب.
فكما ضحى الصحابة بأموالهم وأوطانهم نصرة لدين الله، ينبغي للمسلم أن يهاجر بقلبه من المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن التقصير إلى الاجتهاد، ومن الظلم إلى العدل، ومن التفرق إلى الوحدة.
نسأل الله تعالى أن يجعل العام الهجري الجديد 1448 هـ عاماً مباركاً على الأمة الإسلامية، وأن يرفع عنها الفتن والمحن، وأن يرزق المسلمين الأمن والإيمان والاستقرار والرخاء،



