تخيَّل أنك صاحب تجارة، وضعت رأس مالك في صفقة ظننت أنها رابحة، ثم فوجئت بأنك خسرت معظم مالك أو خسرته كله! كيف سيكون شعورك؟ لا شك أن الحسرة ستكون عظيمة، خاصة بعد طول تعب وانتظار. وهذا مثال يقرب لنا حال بعض الناس يوم القيامة، حين يأتون بأعمال صالحة وحسنات جمعوها في سنوات، ثم يجدون أن بعضها قد ذهب بسبب ذنوب ارتكبوها.
ومن الأعمال التي ينبغي أن نحذر منها: المنُّ بالعطية والإحسان. قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
[البقرة: 264]
إنه تصوير قرآني بليغ: حجر أملس غطاه التراب، ثم نزل عليه المطر فأزال التراب كله وتركه أملس لا شيء عليه.
وهكذا قد يكون حال الإنسان؛ يتصدق ويساعد المحتاج، ثم يتبع ذلك بالمن والأذى، فيذهب أجر إحسانه.
والمنُّ هو أن يذكِّر الإنسان الآخرين بما قدمه لهم من إحسان، على سبيل التفاخر أو التعيير وإشعارهم بالفضل عليهم.
كأن يقول: أنا الذي ساعدتك، وأنا الذي أعطيتك، ولولاي لما استطعت أن تفعل كذا.
وقد يكون المنُّ أيضًا بأن يتحدث أمام الناس بما أعطى فلانًا وما قدم له، أو أن يشعر في نفسه بالاستعلاء على من أحسن إليه.
والصدقة ليست وسيلة لإذلال المحتاج أو إظهار الفضل عليه، وإنما هي عبادة يتقرب بها العبد إلى الله.
فالمؤمن يعطي ثم ينسى عطيته، ولا يجعل إحسانه دينًا في أعناق الناس.
أيها الأحبة،
إن المنَّ يحول الإحسان من وسيلة للمحبة والتراحم إلى سبب للأذى والخصومة، بينما أراد الإسلام بالصدقة تطهير نفس المعطي من الشح والكبر، وتقوية الرحمة بين الناس.
قال الله تعالى:﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾[البقرة: 263]
فالكلمة الطيبة خير من مال يُعطى للإنسان ثم يُجرح به ويُهان.
وللمن صور كثيرة في حياتنا.
فقد سمع ابن سيرين رجلًا يقول لآخر: أحسنت إليك وفعلت وفعلت، فقال له:«اسكت، فلا خير في المعروف إذا أُحصي».
ومن الناس من يمنُّ على أقاربه فيقول: أنا الذي أعطيتهم وساعدتهم، ولولاي لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه.
ومنهم من يقول لزميله: أنا توسطت لك، وأنا خدمتُك.
وقد يذكِّرك إنسان بما صنعه لك في الماضي عندما لا تستطيع قضاء حاجته، فيقول: ألم أقرضك؟ ألم أساعدك؟ ألم أقف معك؟
وهنا ينبغي للإنسان أن يسأل نفسه: لمن فعلتُ ذلك المعروف؟
إن كنت فعلته لله، فأجرك عند الله. أما إذا كنت تحتفظ بكل معروف لتطالب الناس بثمنه عند الحاجة، فقد تحول الإحسان إلى حساب بينك وبينهم.
وقد جاء الوعيد الشديد في شأن المنان بما أعطى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ثلاثة لا ينظر الله عز وجل إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنان بما أعطى».
فليحذر المسلم من أن يهدم بلسانه ما بناه بيده، وأن يفسد بكلمة أجر إحسان قدمه ابتغاء وجه الله.
أيها الأحبة في الله،
ومن أخطر صور المنِّ أن يمنَّ الإنسان على الله بطاعته.
فقد يُذكَّر بعض الناس بواجب قصَّر فيه، فيقول: أنا أصلي وأصوم وأزكي، ولا آكل الحرام، وأنا أفضل من غيري! وينسى أن الله هو الذي هداه ووفقه للطاعة. قال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[الحجرات: 17]
فحين تصلي، من الذي هداك للصلاة؟ وحين تتصدق، من الذي رزقك المال؟ وحين تترك الحرام، من الذي أعانك وثبَّتك؟
إنها نعم الله عليك.
فلا ينبغي للمؤمن أن يرى لنفسه فضلًا على الله بطاعته، بل يرى فضل الله عليه أن هداه ووفقه إليها.
والمنَّة الكاملة لله سبحانه وتعالى، فهو الذي يمنُّ علينا بالنعم والهداية والرزق والعافية، ومن أسمائه سبحانه المنَّان، أي كثير العطاء والإحسان.
وقد دعا رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال:«اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم…»
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى».
أيها الإخوة،
إذا تصدقت، فانسَ صدقتك ولا تنسَ فضل الله عليك.
وإذا ساعدت إنسانًا، فلا تذكِّره بمساعدتك، ولا تجعل معروفك سلاحًا تستخدمه عند الخلاف.
وإذا يسَّر الله لك قضاء حاجة إنسان، فاحمد الله أن جعلك سببًا في تفريج كربته.
ولا تنتظر من الناس أن يردوا لك الجميل؛ فإن كنت قد فعلته لله، فثواب الله خير وأبقى.
وقد ينسى الناس معروفك، ولكن الله لا ينسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
عباد الله،
المؤمن لا يحرص فقط على فعل العمل الصالح، بل يحرص أيضًا على حفظ أجره بعد العمل؛ فلا يفسد صدقته بالمن، ولا إحسانه بالأذى، ولا طاعته بالعجب والاستكبار.
وليكن شعارنا:أحسن إلى الناس، ثم انسَ إحسانك إليهم، وتذكَّر إحسان الله إليك.
لا تقل: أنا أعطيت، بل قل: الله رزقني فأعطيت.
ولا تقل: أنا ساعدت فلانًا، بل قل: الحمد لله الذي جعلني سببًا في مساعدته.
ولا تستكثر طاعتك؛ فمهما عبدنا الله، فإن نعمه علينا أعظم من أعمالنا.
نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص، وأن يطهر قلوبنا من الرياء والعجب والمن والأذى، وأن يتقبل منا صالح أعمالنا ويحفظ لنا أجورنا.



