أيها المسلمون.. إنّ أعظم ما يوقظ القلوب الغافلة، ويكسر كبرياء النفوس العاصية، هو تذكّر تلك اللحظة التي يقف فيها العبد بين يدي ربه ومولاه، ليس بينه وبينه ترجمان، فيقرره بذنوبه ذنباً ذنباً، وسراً سرا.

ما أعظم الخجل! وما أشد الحياء في ذلك اليوم حين يعاتبنا الرب الكريم! يعاتب عبداً أغدق عليه بالنعم، وعافاه من النقم، وستر عليه في الظلم، ثم كان من العبد الجفاء والتقصير والمخالفة.

وفي هذا المعنى الإيماني المؤثر، يفيض قلب الشاعر بالخوف والخجل فيقول:

يَا خَجَلَتِي مِنْ عِتَابِ اللهِ يَوْمَ غَدٍ إِنْ قَالَ: خَالَفْتَ أَمْرِي أَيُّهَا الرَّجُلُ!

يَا رَبِّ فَاغْفِرْ ذُنُوبِي كُلَّهَا كَرَمًا فَإِنَّنِي اليَوْمَ مِنْهَا خَائِفٌ وَجِلُ

إن حياء العبد من ربه ليس مجرد شعور عابر، بل هو مقام إيماني يورث الاستقامة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ»، قالوا: إنا نستحيي يا رسول الله والحمد لله، قال: «لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرِ المَوْتَ وَالبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ» [

تأملوا كيف يكون العتاب إلهياً رفيقاً لعبد مؤمن استحيى من ربه في الدنيا، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يدنو من العبد يوم القيامة فيضع عليه كنفه وستره فيقول: «أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟» فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله تعالى: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ» [

عباد الله..

قد يسأل المسلم نفسه: كيف أقاوم الضعف البشري؟ وما الذي يعينني على نفسي لأنجو من هذا العتاب والخجل يوم القيامة؟

إن الشريعة الإسلامية لم تترك العبد حائراً، بل جعلت له وسائل عملية تعينه على مجاهدة نفسه، ومن أهمها:

  1. دوام المراقبة والاستشعار بمعية الله:

يا من يراني على ذنبي فيمهلني جد لي بعفوك إن الذنب أشقاني

يا رب هذي دموعي جئت أسكبها فاغسل بجودك آلامي وأحزاني

فعلى العبد أن يستحضر أن الله يراه في الخلوة والجلوة، وأن يعلم أن الجوارح ستشهد عليه. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾

  1. قطع أسباب المعصية وسد الذرائع:

النفس أَمّارة بالسوء، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. من أراد ترك الذنب، فعليه بقطع الطريق إليه؛ بترك البيئة الفاسدة، وتجنب الشاشات أو المحادثات التي تفتح باب الحرام، فالوقاية أسهل من العلاج.

  1. الرفقة الصالحة والبيئة الإيمانية:

الإنسان يتأثر بخلطائه، والصاحب ساحب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». فالصحبة الصالحة تُذكّرك إذا نسيت، وتعينك إذا ذكرت.

  1. شغل الوقت بالحق والعمل الصالح:

قم في الدجى واتلو الكتاب ولا تنم إلا كنومة حائر ولهان

يا حبذا عينان في غسق الدجى من خشية الرحمن باكيتان

نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. الحرص على الصلاة في أوقاتها، وقراءة القرآن، والأذكار اليومية، والأعمال النافعة يملأ الفراغ ويحمي العقل والقلب من وساوس الشيطان.

  1. الاستعانة بالله والدعاء بالثبات:

رفعت إلي رب الأنام مطالبي ووجهت وجهي نحوه ورغائبي

إلى الملك الاعلى الذي ليس فوقه مليك يرجى سيبه في المتاعب

لا حول ولا قوة للعبد إلا بالله. كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». فعلى العبد أن يلتجئ إلى ربه بصدق ويطلب منه الإعانة على نفسه والهوى.

فيا من أثقلت كاهلك الذنوب، ويا من فرطت في جنب الله، إن باب التوبة مفتوح، ورحمة الله واسعة، ولكن الحذر الحذر من التسويف وطول الأمل!

يقول الله تعالى داعياً عباده للرجوع: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

إن المسلم في هذه الدنيا يسير إلى ربه بين جناحين لا يستغني عن أحدهما: جناح الخوف وجناح الرجاء:

  • الخوف: يزجره عن معصية الله، ويجعله وجِلاً يخاف الخجل يوم العرض.
  • الرجاء: يدفعه للعمل الصالح ولا يجعله يقنط من رحمة ربه الكريم.

واعلموا أن مجاهدة النفس ليس أمراً يقع في يوم وليلة، بل هي رحلة العمر؛ كلما سقط العبد قام، وكلما أذنب استغفر، وكلما غفل تذكر. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾

فلا تدع يومك يمر دون أن تجدد توبة نصوحاً، واجعل لسانك رطباً بالاستغفار والتضرع، وتردد في خلوتك ما تدعو به رغباً ورهباً:

“اللهم إن ذنوبنا عظام، ولكن رحمتك أعظم، فاغفر لنا ذنوبنا كلها، أولها وآخرها، علانيتها وسرها، ولا تخزنا يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم”.