في العام الذي تسميه الرواية عام الحزن، فقد محمد ﷺ زوجته خديجة، التي كانت أعظم سند له، كما فقد عمه أبا طالب، الذي كان يحميه من أعدائه. وقاده قلب مثقل بالحزن إلى مدينة الطائف الجبلية. وكان يأمل أن يصغي أهلها إلى رسالته عن الوحدة والسلام واليقظة الروحية.

لكن بدلاً من القبول، واجه رفضًا عميقًا وقاسيًا. فقد حرّض زعماء المدينة الناس عليه، وأخذوا يرمونه بالحجارة حتى اضطر، وهو جريح منهك، إلى الفرار خارج حدود المدينة.

وبعد أن أنهكه الألم جسديًا، لجأ إلى ظل إحدى البساتين. لم يكن هناك جمع من الناس، ولا أتباع، ولا نجاح ظاهر يستند إليه. لم يكن هناك سوى هو، وألمه، والصمت.

في تلك اللحظة، لم يتوجه إلى السماء غاضبًا، ولم يطلب الانتقام. بل تلا دعاءً أصبح واحدًا من أجمل النصوص في التصوف الإسلامي:

«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين… إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي. غير أن عافيتك هي أوسع لي.»

تمثل هذه اللحظة جوهر الروحانية في أنقى صورها: الاعتراف بضعف الإنسان وهشاشته، وتسليم ذلك لإرادة أعلى. لم يبحث النبي ﷺ عن خلاص خارجي أو عن انتصار على أعدائه، بل كان يبحث فقط عن الطمأنينة إلى أن نيته وقلبه من الداخل لا يزالان نقيين.

وبحسب الرواية، أرسل أصحاب البستان في تلك اللحظة — رغم أنهم كانوا من غير المؤمنين — عبدهم المسيحي عدّاس ليقدم للنبي ﷺ عنقودًا من العنب. وعندما مدّ محمد ﷺ يده وقال: «بسم الله»، توقف عدّاس مندهشًا، لأن هذه الكلمات لم تكن مألوفة لأحد في تلك المنطقة. وقد جمع الحوار القصير والعميق الذي دار بينهما روحين تتوقان إلى المعنى، وسط ذلك الموقف القاسي الموحش.

المعنى الروحي لهذا اليوم

تحمل هذه القصة عددًا من الدروس التي تتجاوز الزمان:

الاستعداد للظهور بضعفنا: لا تكمن القوة الروحية الحقيقية في أن يكون الإنسان محصّنًا ضد الألم أو منتصرًا باستمرار، بل في قدرته على أن يأتي إلى الله — أو يعود إلى أعماق نفسه — بضعفه وألمه كما هما، من دون أقنعة.
التحرر من التعلق بالنتيجة: لم يسأل النبي ﷺ في دعائه: «لماذا فعلتَ بي هذا؟» بل كان جوهر موقفه: «إذا كان قلبي منسجمًا معك، فلا شيء آخر يهم.»
النور في الإيماءات الصغيرة: حتى في أحلك اللحظات، قد تظهر شرارة من الإنسانية؛ عنقود من العنب يقدمه غريب، ولحظة قصيرة من التفاهم يمكن أن تحمل في داخلها نورًا عظيمًا.