د. أسامة الديري {خطبة الجمعة 2021/10/15}


من رحمة الله تعالى بالعباد أنه يعاملهم بفضله ورحمته فيثيب المحسنين منهم  ويضاعف لهم في الأجور ويمهل المسيئين ليعودا إليه فيتوبوا ويتجاوز عنهم، كما إنه سبحانه جعل أجور المؤمنين تتعدى إلى غيرهم من الناس فتعمهم وتشملهم، فالمُحسن يشفع للمسيء، والمؤمن يرفع درجة أهله وأصحابه، وكل ذلك من فضل الله تعالى ورحمته على الناس، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) ، فالعلاقة بين المؤمنين هي علاقة تراحم وإحسان، وشفاعة، وتعميم للنفع بينهم في الدنيا والآخرة لتسود أجواء المحبة والتعاون والوئام في المجتمع.

وأما السيئات والمعاصي، فإن الإنسان لا يتحمل خطيئة غيره ما لم يكن له يد فيها، أو تسبب بإشاعتها بين الناس، فإن مثل هؤلاء ينطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» فالأصل في المسلم أنه بريء الذمة من كل عمل لا يد له فيه، فلا يتحمل وزره أو إثمه، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) ، وقد أكّد الله تعالى هذه الحقيقة في خمسة مواضع في القرآن الكريم، وعبّر سبحانه عن هذه المسؤولية بلفظ (الوزر) ومعناه الحمل الثقيل الذي يأتي به صاحبه يوم القيامة فيُسأل عنه ويحاسب عليه، فلا يجوز تحميل إنسان حمل غيره من الأثقال، أو ذنباً هو لم يرتكبه.

وقد فضح الله تعالى كذب المشركين الذين أرادوا التمويه وخداع المؤمنين بأنهم سيتحملون خطاياهم وأوزارهم عنهم إن هم تركوا الإسلام، وانقلبوا على أعقابهم، وبين أنهم أعجز من تحمل أوزار غيرهم، وأضعف من احتمال أثرها، وهم مع ذلك سيتحملون عقوبة إضلالهم للناس ودعوتهم إلى الكفر والكذب على الله، فقال الله تعالى فيهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .

هذا هو المنهج الرباني الذي يأمر الناس أن لا تحمل بعضها أوزار بعض فلا يتحمل الإنسان ذنباً ارتكبه قريبه أو أخوه، أي أحد أفراد عائلته ، فإن الجناية التي يرتكبها الإنسان لا تقع إلا عليه، وقد كان من آخر ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أن قال: «فإنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكُم حرامٌ كحُرمةِ يومِكم هذا ، في بلدِكُم هذَا ، في شَهرِكم هذا ، ألا لا يجني جانٍ إلَّا على نفسِهِ، ولا يَجني والِدٌ على ولدِه، ولا ولدٌ على والدِه، ألا إنَّ المسلِمَ أخو المسلِمِ».

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحكم الشرعي في أكثر من موضع، وشدّد عليه خاصة أن الناس في الجاهلية كانوا يحتكمون إلى الثأر فيما بينهم، ويعتدون على أموال بعضهم ودمائهم وأعراضهم، فجاء الإسلام ليزيل أثار العصبية الجاهلية من القلوب والنفوس، ويقيم العدل بين الناس وينشر الخير والتسامح، فعن أبي رمثة رضي الله عنه قال: انطلقتُ معَ أبي نحوَ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ثمَّ إنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ لأبي ابنُكَ هذا؟ قالَ: إي وربِّ الكعبةِ. قالَ: حقًّا؟ قالَ: أشهَدُ بِهِ، قالَ: فتبسَّمَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ضاحِكًا من ثبتِ شبَهي في أبي ومن حلِفِ أبي عليَّ ثمَّ قالَ: أما إنَّهُ لا يَجني عليكَ ولا تَجني عليهِ، وقرأَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 

وقد ضرب الله تعالى لنا مثلاً من قصة سيدنا يوسف عليه السلام حين طلب إخوته أن يُسجن أحدهم مكان من وجد صواع الملك في رحله، فقالوا كما ذكر الله تعالى: (قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) ، فكانت الإجابة من سيدنا يوسف عليه السلام بالامتناع عن ذلك والإعراض عنه، لأنه نوع من الظلم الذي سيقع على إنسان بريء لم يرتكب ذنباً ولا إثماً، قال تعالى: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ) .

 إن حكم الله تعالى بعدم ظلم العباد والاعتداء عليهم بجريرة غيرهم لهو منتهى العدل بين الناس شامل لجميع تعاملاتهم، بل إنه يتعدى ذلك ليشمل جميع مكونات الحياة وعناصرها التي سخرها للإنسان، فحتى النملة الصغيرة، تلك الحشرة التي لا قيمة لها في ميزان كثير من البشر، ولكنها عند الله تعالى ذات شأن لأنها خلق من خلقه وصنعه الحكيم سبحانه وتعال، فالله تعالى يعاتب نبياً من أنبيائه لأنه عاقب قرية من النمل بفعل واحدة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فأمَرَ بجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِن تَحْتِهَا، ثُمَّ أمَرَ ببَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بالنَّارِ، فأوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً واحِدَةً » متفق عليه، فإن كان هذا العتاب من الله تعالى لنبي من أنبياءه في نملة صغيرة، فكيف بمن يعتدي على الإنسان البريء الذي كرمه الله تعالى ورفع قدره وشأنه دون مراعاة لتلك الحرمة الإنسانية، أو الالتزام بالأوامر الإلهية.

فيجدر بالمسلم الحرص على أمن وطنه وأهله ومجتمعه، والتعاون فيما بينهم على البر والتقوى، والنهي عن المنكر والظلم، وقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) .