ننا اليوم نقف على أعتاب أعظم أركان الإسلام، أمام عبادةٍ فريدةٍ لا تماثلها عبادة؛ إنها رحلة الحج إلى بيت الله الحرام. هذا الركن العظيم الذي يجمع معاني العبودية كلها، فهو خلاصة الطاعات ومجمع القربات؛ ففيه صلاةٌ حول الكعبة، وروحُ الصيام بكفِّ النفس عن الشهوات واجتناب الرفث والفسوق، وفيه بذلُ المال والجهد صدقةً وتقرباً إلى الله، وفيه النسك والأضاحي تعظيماً لشعائر الله. إنها رحلةٌ تمتزج فيها عبادة الجسد بعبادة القلب، وخضوع الروح بحركة الجوارح، حتى يقف العبد في نهايتها متجرداً من كل زينةٍ إلا التقوى، ومن كل نداءٍ إلا: «لبيك اللهم لبيك».
عباد الله،:
إن أصل هذه الرحلة المباركة يعود إلى نداءٍ عظيم انطلق منذ آلاف السنين، حين أمر الله خليله إبراهيم عليه السلام فقال:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ}.
فقال إبراهيم متعجباً: يا رب، وكيف يبلغ صوتي الناس؟ فقال الله تعالى: «عليك النداء وعلينا البلاغ». فوقف الخليل على جبال مكة ينادي البشرية كلها: «يا أيها الناس، إن الله قد اتخذ بيتاً فحجّوه».
فما كان من هذا النداء إلا أن تجاوز حدود الزمان والمكان، واخترق الجبال والبحار، ووصل إلى أصلاب الرجال وأرحام النساء، حتى بلغنا اليوم هنا في براغ، وبلغ كل مسلم على وجه الأرض. فكل من لبّى قائلاً: «لبيك اللهم لبيك» إنما يستجيب لذلك النداء الإبراهيمي الخالد.
ومعنى الحج في لغة العرب هو “القصد”، فالحاج هو الذي قصد ربه، تاركاً وراءه الدنيا وأهلها، مهاجراً بذنوبه، راجياً أن يعود نقياً كما ولدته أمه. إنها رسالة واضحة بأن وجهة المؤمن الحقيقية ليست متاع الدنيا الزائل، وإنما الله الواحد القهار.
وفي مناسك الحج دروس عظيمة نحتاجها في غربتنا هذه؛ فعندما يسعى المسلم بين الصفا والمروة، يستحضر قصة الأم المؤمنة هاجر عليها السلام، وهي تسعى في وادٍ مقفر تبحث عن الماء لطفلها الرضيع. لم تستسلم لليأس، ولم تقعدها الغربة والوحدة، بل أخذت بالأسباب وقلبها مملوء باليقين وهي تقول: «إذن لا يضيعنا الله».
وهذا هو الدرس الذي نحتاجه هنا في قلب أوروبا؛ أن نبذل كل ما نستطيع في تربية أبنائنا، والحفاظ على ديننا وهويتنا، ونحن على يقين بأن الله الذي أخرج زمزم من تحت قدمي طفلٍ رضيع في صحراء قاحلة، لن يخذل عباده ما داموا متمسكين بشرعه ساعين في مرضاته.
أيها المسلمون:
إن دروس الحج لا تنقضي، ومن أعظم هذه الدروس:
- الأخوة الإيمانية الصادقة:
ففي الحج تسقط الفوارق، وتذوب الجنسيات، وتجتمع القلوب على كلمة واحدة. ترى المسلم الماليزي بجوار المغربي، والتشيكي إلى جانب العربي، يجمعهم لباس واحد وشعار واحد. وهذا درسٌ لنا في براغ؛ أن نتوحد على طاعة الله، وألا تفرقنا الأعراق ولا الأوطان. - حقيقة الاستسلام لله تعالى:
فحين يطوف الحاج بالكعبة، أو يرمي الجمار بحصى صغيرة، فإنه يعلن كمال عبوديته لله؛ يفعل ما أُمر به تعبداً وطاعة. وهكذا تكون السعادة الحقيقية؛ أن نسلّم لأمر الله في حياتنا كلها، في بيوتنا وتربيتنا ومعاملاتنا، ولو خالف ذلك أهواء النفوس. - تذكر الآخرة والاستعداد للقاء الله:
فإن مشهد الحجاج بملابس الإحرام البيضاء يذكّر بمشهد الحشر يوم القيامة، حين يقف الناس جميعاً بين يدي الله. ولذلك افتتح الله سورة الحج بقوله:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ}. ليبقى الحج تذكرة عملية بالرجوع إلى الله والاستعداد للقائه.
وقد يشعر بعض الناس بالحزن لأن الله لم يكتب لهم الحج هذا العام، لكن عزاء المؤمن أن رب مكة هو رب براغ، وأن من لم يصل إلى بيت الله بقدميه، فباب الوصول إلى رب البيت مفتوح بقلبه وطاعته وإخلاصه.
ونحن مقبلون على أيامٍ عظيمة، هي عشر ذي الحجة، الأيام التي أقسم الله بها فقال:{وَلَيَالٍ عَشْرٍ}.
وهي فرصة لكل مسلم أن يجدد إيمانه بالذكر والصيام والعمل الصالح.
ومن أعظم ما ينبغي أن نهتم به في هذه الأيام، أن نغرس معاني هذه الشعائر في نفوس أبنائنا. فأطفالنا هنا في التشيك لا يشاهدون قوافل الحجيج، ولا يسمعون أصوات التلبية في الطرقات، ولذلك تقع علينا مسؤولية تقريب هذه المعاني إلى قلوبهم وعقولهم.
وهنا نوجّه همسة لكل أب وأم:
إن من واجبنا أن نربط أبناءنا بعظمة هذا الدين بالوسائل العملية والتربوية. فإذا وُجدت أنشطة تعليمية أو برامج تحاكي مناسك الحج في مدارسنا ومراكزنا الإسلامية، فاحرصوا على إشراك أبنائكم فيها؛ ليروا بأعينهم الطواف والسعي، ويتعرفوا على قصة الفداء والتضحية. فما يراه الطفل بعينه، ويلمسه بيده، يرسخ في قلبه أكثر من آلاف الكلمات.
فاجعلوا من العيد القادم فرصةً لتعزيز هوية أبنائكم الإسلامية، واستعدوا للأضحية تعظيماً لشعائر الله، ولتكن بيوتنا هنا في براغ عامرةً بذكر الله، ملبيةً لندائه، ثابتةً على طاعته، صابرةً على دينه، حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.
للهم اجعلنا من المعظمين لشعائرك، المستجيبين لندائك، الملبّين لأمرك طاعةً ومحبةً وإخلاصاً.
اللهم ارزقنا زيارة بيتك المعظم حجاجاً ومعتمرين، واكتب لنا القبول والمغفرة يا رب العالمين.
اللهم احفظ أبناءنا في غربتنا، ووفقنا لحسن تربيتهم، وثبتهم على دينك، واجعلهم من عبادك الصالحين.




