الإنسان في مسيرته الحياتية لا ينفك يواجه صراعًا دائمًا مع ذاته، صراعًا بين ما يحب وما يكره، وبين ما يرغب فيه وما يُجبَر على تحمّله. ففي كل لحظة من لحظات العمر، تبرز مواقف جديدة تختبر النفس: إما أن تتكيف معها فتنتصر، أو تعجز عن التكيف فتنكسر. ومن هنا كانت الإرادة حاضرة في كل تفاصيل الحياة، تمارس فعلها بصمت، وتحدد مصير الإنسان النفسي والروحي.
إن كثيرًا من الاضطرابات النفسية – في جوهرها – ليست إلا صورة من صور انهزام الإرادة أمام موقف أو ظرف عجزت النفس عن استيعابه والتكيف معه. أما السعادة الحقة، فهي تلك التي يبلغها العبد حين تتوحد إرادته في مطلوب واحد، فلا يشغله في داخله همّ، ولا يسيطر عليه طلب، إلا التوجه إلى الله سبحانه وتعالى، وهذه هي أسمى مراتب تربية الإرادة.
الإرادة في نظر الفلسفة: شوبنهاور نموذجًا
يرى الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور أن حقيقة الإنسان ليست العقل، بل الإرادة والرغبة. ويؤكد أن الإرادة هي القوة الحاكمة التي تسخّر العقل والمنطق لخدمتها. فالإنسان لا يرفض فكرة لأنه لم يفهمها، بل لأنه لا يريد أن يفهمها. وإذا أراد شيئًا، صنع له العقل مبرراته، وإذا كرهه، اخترع له الحجج لرفضه.
بل إن شوبنهاور يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرى أن الجسد ذاته ليس إلا أداة بيد الإرادة، وأن الإرادة هي الجوهر الحقيقي للإنسان، إذ إن الجسد يمرض ويضعف ويشيخ، بينما تظل الإرادة حية متقدة حتى آخر لحظة من العمر.
ومن هذه الرؤية ينطلق شوبنهاور إلى نتيجة تشاؤمية مفادها أن الإنسان محكوم عليه بالألم الدائم، لأن الرغبة لا تشبع، والإرادة لا تهدأ. فإن لم تتحقق الرغبة، عاش الإنسان ألم الحرمان، وإن تحققت، أصابه السأم والملل. وهكذا يتأرجح الإنسان – في نظره – بين عذابين لا خلاص منهما، مما جعله ينتهي إلى الدعوة للخلاص من الحياة ذاتها.
محاولات الخلاص: بين قمع الرغبة وتهذيبها
جاءت الفلسفات الشرقية، وعلى رأسها تعاليم بوذا، لتقترح حلًا مختلفًا يقوم على إسكات الإرادة وقمع الرغبة، وجعل الخلاص في التحرر منها. ثم اتجهت المسيحية في بعض مراحلها إلى قتل الرغبة قتلًا جذريًا، وظهرت الرهبانية وهجر ملذات الحياة.
أما الإسلام، فقد سلك مسارًا مختلفًا، مسارًا متوازنًا عميقًا، لا يقوم على إلغاء الرغبة ولا على إطلاقها، بل على تهذيبها وضبطها وتوجيهها. فالإسلام يعترف بطبيعة الإنسان، ولا يطالبه بما يناقض فطرته، ولا يحمل عليه ما لا يطيق.
الإسلام وتربية الإرادة: رؤية شمولية عميقة
لا ينظر الإسلام إلى الإرادة نظرة احتقار، بل يعدّها عنصرًا شريفًا، لأن الإرادة القادرة على التحكم في نفسها دليل رقي وسمو. والمشكلة – في المنظور الإسلامي – ليست في كون الإنسان يريد، بل في اتجاه ما يريد.
فمطلوبات الإنسان تتدرج من الشهوات البهيمية، إلى القيم الإنسانية، ثم إلى المعاني الروحية، حتى تبلغ ذروتها في التوجه إلى الله وحده:
﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾.
ومن هنا يدعو الإسلام إلى العلو بالإرادة لا إلى إلغائها، وإلى نقلها من التعلق بالدنيا إلى التعلق بالآخرة، ومن طلب اللذة إلى طلب المعنى، ومن حب الجمال إلى حب خالق الجمال.
كما يقرر الإسلام حقيقة دقيقة، وهي أن الإنسان يملك إرادة صغرى، والله سبحانه وتعالى هو صاحب الإرادة الكبرى، ومن ثم فإن تربية الإرادة لا تتم إلا بالاستعانة بالله:
أن يكبح الإنسان رغبة أدنى بإرادة أعلى، وأن يسمو بمطالبه من الخسيس إلى الرفيع.
الجسد في المنظور الإسلامي: معراج لا عبء
ومن أعمق ما يميز الرؤية الإسلامية أنها لا تحتقر الجسد، بل تعتبره وسيلة للارتقاء أو الانحدار. فالجسد هو الأداة التي يطيع بها الإنسان أو يعصي، وهو السلم الذي يصعد به إلى القرب من الله أو ينحدر به إلى درك الشهوات.
ولهذا قال العارفون قولتهم البليغة:
«إزالة التعلقات بعد موت الآلات من المحالات»
أي أن تزكية النفس لا تكون إلا في الدنيا، حيث الجسد حاضر، والإرادة عاملة، والاختيار ممكن.
الإرادة والعبادة: الصلاة نموذجًا
وقد أثبتت تجارب علم النفس والطب الحديث أن للإرادة قدرة هائلة على التأثير في الجسد، حتى في وظائفه الحيوية. ومع ذلك، فإن الإسلام قد سبق كل هذه الاكتشافات، فجعل العبادة – وعلى رأسها الصلاة – تدريبًا عمليًا يوميًا على تجريد النفس، وتهدئة الإرادة، وتركيز القلب في الله.
فالصلاة تتضمن الخلو من الهموم، والخشوع، والسكينة، والحوار الروحي، وكلها معانٍ يسعى الغرب اليوم لتحقيقها عبر تقنيات التأمل المختلفة.
خاتمة روحانية إيمانية
وفي النهاية، يتبين لنا أن الدين – في جوهره – ليس طقوسًا جامدة، بل هو منهج لتربية الإرادة، وصناعة الإنسان من الداخل. فكل التزام، وكل استقامة، وكل مقاومة للهوى، وكل صبر على المكروه، هو تمرين يومي على العلو بالنفس.
وأعلى درجات هذا الطريق أن يتوحد المطلوب، فلا يبقى في القلب طلب إلا الله، ولا إرادة إلا التوجه إليه، ولا عمل إلا لوجهه الكريم.
وهنا يبلغ الإنسان مقام العبودية الصافية، وسعادة العبد الرباني، حيث يسكن القلب، وتطمئن النفس، ويذوق العبد معنى قوله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
فمن أراد السعادة الحقة، فليُهذّب إرادته، وليسمُ بمطالبه، وليجعل غايته الله… فهناك فقط تنتهي الحيرة، ويبدأ السلام




