يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}.
إن الأذكار التي نرددها صباحاً ومساءً قد تجري على ألسنتنا أحياناً دون أن تصحبها قلوبنا، فتصبح عادة أكثر منها عبادة. غير أن الذكر الحقيقي –عباد الله– هو حضور القلب ويقظته؛ أن يستشعر العبد عظمة خالقه في كل ما يراه، وفي كل ما يمر به من أحداث. هو أن يلمح آثار قدرة الله في الكون من حوله، وفي نفسه التي بين جنبيه، حتى يكون لسان حاله كما قال الشاعر:
وفي كل شيءٍ له آيةٌ … تدلُّ على أنه الواحدُ
وأسمى مراتب هذا الحضور هو التفكر؛ ولذلك نزل جبريل عليه السلام على النبي ﷺ في جوف الليل بآيات عظيمة توقظ القلوب:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ}.
فبكى النبي ﷺ حتى ابتلت لحيته، وقال: «لقد نزلت عليَّ الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها».
وقد اختير الليل لنزولها؛ لأنه وقت السكون، حيث تهدأ الضوضاء وتصفو النفوس، فيتهيأ القلب للاتصال بربه. فإذا صفا القلب، أدرك أن هذا الكون لم يُخلق عبثاً، فينطلق لسانه قائلاً:{رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
أيها الإخوة الكرام، وأنتم تعيشون في مدينة صاخبة كبراغ، تأملوا في أحوال الناس مع إشراقة كل صباح: هذا يتجه إلى عمله، وذاك إلى دراسته، وآخر إلى تجارته. وتصوروا لو كان الذكر هو الدافع في حياة كل واحد منهم:
فالطالب حين يذكر الله وهو يدرس، ويرى في القوانين دقة الصنع الإلهي، يتحول علمه إلى عبادة.
والسائق في زحام الطريق إذا ملأ وقته بالتسبيح والاستغفار، تبدلت مشقته سكينة وطمأنينة.
والأم في بيتها، والعامل في مصنعه، إذا ربطوا أعمالهم بالله، حلت البركة في أرزاقهم وأخلاقهم.
أما إذا خلا القلب من الذكر، صار الكون موحشاً، وقست القلوب حتى تكون كالحجارة أو أشد قسوة. وبالذكر، تتجمل الحياة، ويذوق العبد طعم جنة عاجلة في الدنيا، كما قال ابن تيمية رحمه الله: “إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة، وهي ذكر الله”.
لقد كان نبيكم ﷺ القدوة والمنار؛ فما ترك حالاً إلا وبثَّ فيه روح الذكر. فكان إذا استيقظ قال: “الحمد لله الذي أحيانا”، وإذا هبت الريح قال: “اللهم إني أسألك خيرها”، وإذا نزل المطر، وإذا دخل المسجد، وإذا لبس ثوبه.. وكأنه لم يكن يعمل في يومه إلا الذكر، مع أنه كان يدير دولة، ويقود جيشاً، ويقضي بين الناس.
وأنتم هنا في براغ، في بيئة قد لا تعين على الذكر، حيث لا يُسمع الأذان كثيراً، ولا تظهر مظاهر التذكير، يكون التحدي أعظم، لكن الأجر أعظم كذلك. فإذا غاب الأذان عن المآذن، فلا يغيب عن القلوب. وإذا قلت المعينات من حولكم، فاصنعوا لأنفسكم بيئة إيمانية في بيوتكم، ومع أبنائكم، وعلّموهم أن ذكر الله هو لغة الكون كله.
اللهم اجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وأصلح قلوبنا، وطهّر ألسنتنا، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.



