أيها الناس، اتقوا الله حق التقوى، وسارعوا إلى العمل الصالح قبل أن يفجأكم الأجل، فإنه لا نجاة لكم إلا به، ولا عدّة لكم في الآخرة سواه، قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.
فالعمل الصالح هو زاد المعاد، وبه تُنال الجنة، ومن أجله خُلقتم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وهو القائل: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
وكم من مفرِّطٍ يتمنى عند حضور الموت أن يُمهل ليعمل صالحًا، فيقول:﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، فيُقال له: ﴿كَلَّا﴾، فقد انتهى زمن العمل وبدأ زمن الجزاء.
وقد نوّع الله تعالى في كتابه أساليب الحث على العمل الصالح، فتارةً يأمر به صراحةً، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وتارةً يقرن العمل الصالح بالإيمان، ويعد عليه بالأجر العظيم، فيقول سبحانه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
بل أقسم سبحانه بخسارة الإنسان إلا من جمع بين الإيمان والعمل الصالح، فقال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
وبيَّن جل وعلا أن الأعمال محفوظة مكتوبة، لا يضيع منها شيء، فقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾،
وقال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
وأخبر أن أعمال العباد تُوزن يوم القيامة بميزان العدل: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾.
ولا ينفع المرء يومئذٍ إلا عمله، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾، ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾.
أيها المؤمنون،
والعمل لا يكون حسنًا مقبولًا عند الله إلا بشرطين عظيمين:
أولهما: الإخلاص لله وحده، بأن يقصد العبد بعمله وجه الله بعيدًا عن الرياء والسمعة وكل شائبة شرك. قال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾،
وثانيهما: أن يكون العمل موافقًا لهدي النبي ﷺ، خاليًا من البدع والمحدثات. قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»،وقال ﷺ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
فما خلا من الإخلاص أو الصواب كان تعبًا لا ثمرة له، وعملاً لا ينفع صاحبه يوم القيامة.
فاحذروا أن تكون أعمالكم خالية من الإخلاص أو بعيدة عن السنة، فإن الله قال فيمن تعبوا بغير حق:
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً﴾.
والإنسان لا ينفعه إلا عمله الذي قدمه لنفسه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾، ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.
فلا يعتمد الإنسان على صلاح أبيه أو صلاح قريبه أو شرفه أو شرف آبائه، فمن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه.
عباد الله: إن الله يخبرنا في كثير من الآيات أنه يراقب أعمالنا ويطلع عليها، حيث يقول: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، بل إنه سبحانه يطلع على ما في قلوبنا من نيات، فهو ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾.
فيجب علينا أن نصلح نياتنا وأعمالنا، ونراقب الله في كل ما نأتي وما نذر. ثم إن مهلة الإنسان في هذه الدنيا قصيرة، ومدة أجله محدودة، وأجله مقدَّر، والإنسان في هذه الدنيا معرض لعوارض تعوقه عن العمل، فيجب علينا أن ننتهز فرصة الإمكان قبل فواتها، يقول تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
ويقول ﷺ: «بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنًى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب يُنتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر».
تنبيهًا إلى أن العوائق قادمة، وأن الفرصة قد لا تتكرر.
فطوبى لمن اغتنم أيامه، وأخلص نيته، وأحسن عمله، ووقف بين يدي ربه بعمل صالح خالص، يرجو رحمته ويخاف عذابه، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.



