عباد الله
:

اتقوا ربَّكم حقَّ التقوى، واحمدوه واشكروه على عظيم نعمه؛ إذ وسَّع لكم في الآجال، ومدَّ لكم في الأعمار، حتى بلَّغكم هذا الشهر المبارك، والموسم العظيم، الذي تتجدَّد فيه الهمم للطاعة، وتُبعث فيه النفوس إلى المسارعة في الخيرات، ويتنافس فيه المؤمنون في طلب أسمى الغايات بأشرف الأعمال، فيقدّمون لأنفسهم زادًا صالحًا يفرحون به يوم يقوم الناس لرب العالمين. فكم أفاض الله في هذا الشهر من أنواع الإحسان، وكم ادّخر لعباده فيه من جزيل الثواب، وكم من قلوبٍ كانت أسيرة الغفلة فأحياها الله بالطاعة والإقبال.

ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أنه نوّع لهم العبادات، ليُجدِّد في قلوبهم الشوق، ويبعث في نفوسهم النشاط، فلا يملّوا ولا يسأموا، فجعل الصلاة، والذكر، والصيام، والحج، والزكاة، وسائر القربات. ومن أجلِّ هذه العبادات وأعظمها منزلةً عبادةُ الصيام، التي جاء بيان فضلها وعظيم شأنها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، فهي من أجلّ الطاعات وأعظم القربات.

ولعظيم مكانة الصيام فرضه الله على هذه الأمة كما فرضه على الأمم من قبلها، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
وإذا اتفقت الشرائع على عبادةٍ دلّ ذلك على علوّ قدرها وكبير نفعها، وقد أوصى النبي ﷺ بالصيام فقال: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له»، وفي رواية: «لا عدل له».

أيها المسلمون:

إن شهر رمضان هو شهر الصيام والقيام، وقد وعد الله من أدّاهما إيمانًا واحتسابًا بمغفرة الذنوب، فقال النبي ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». وهو شهر البر والإحسان، وشهر الصدقات والجود والمواساة، والله يحب المحسنين.

ومن فضائل الصيام وثمراته:

أولًا: تحقيق التقوى
فالصيام سبب عظيم لتحصيل التقوى؛ إذ يدرّب المسلم على ضبط النفس وكفّ اللسان والجوارح عن الحرام. قال ﷺ: «الصيام جُنّة…»، فمن اتقى الذنوب وقى نفسه من النار، وقد جاء: «الصيام جُنّة من عذاب الله»، وقال ﷺ: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا».

ثانيًا: مغفرة الذنوب وتكفير السيئات
فالذنوب تُهلك صاحبها، وما كان ماحيًا لها فهو من أفضل الأعمال، ولهذا قال ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال: «رمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر».

ثالثًا: أجره بغير حساب
قال ﷺ فيما يرويه عن ربه: «كل عمل ابن آدم له يضاعف… إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». فالصيام عبادة الإخلاص، وفيه الصبر بأنواعه، والصابرون يوفَّون أجرهم بغير حساب، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

رابعًا: اختصاص الصائمين بباب الريّان
بابٌ في الجنة لا يدخل منه غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق فلا يدخل منه أحد سواهم.

خامسًا: محبة الله لآثار الصيام
قال ﷺ: «لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، لأنها آثار طاعةٍ محبوبة عند الله.

سادسًا: شفاعته لصاحبه يوم القيامة
قال ﷺ: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة»، فرمضان شهر الصيام والقرآن، فطوبى لمن جمع له شرف العبادة وشرف الزمان.

أيها المسلمون:

ومن فضل الله في هذا الشهر أن الأعمال تُضاعف فيه؛ فمن أدّى فريضةً فيه كان كمن أدّى سبعين فريضةً فيما سواه، ومن فطّر صائمًا نال مغفرةً لذنوبه وعتقًا من النار. وفي الصحيح: «عمرة في رمضان تعدل حجة»، وفي رواية: «حجة معي».

وفيه ليلة القدر، خيرٌ من ألف شهر، من قامها إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، فما أيسر العمل وما أعظم الثواب.

ومن نعم الله العظمى في هذا الشهر أن أنزل فيه كتابه العظيم، القرآن الكريم، رحمةً للعالمين، ونورًا للمستضيئين، وهدايةً للمتقين، يهدي للتي هي أقوم. قال تعالى ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]، وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].
فمن تمسّك به نجا، ومن أعرض عنه هلك، فاعتصموا به؛ فإنه يأخذ بيد صاحبه يوم القيامة فيُحاجّ عنه ويشفع له

وفي هذا الشهر وقعت بدر الكبرى، وكان فتح مكة المبين، فدخل الناس في دين الله أفواجًا، وظهر عزّ الإسلام.

ومن فضائل هذا الشهر كذلك أنه كان ميقاتًا لنصر الإيمان؛ ففيه وقعت غزوة بدر الكبرى، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]،
وفيه كان فتح مكة المبين، فدخل الناس في دين الله أفواجًا.

إن البركات في هذا الشهر كثيرة، والخيرات فيه وفيرة، فتنافسوا في أبواب البر، وإياكم أن تضيعوا فرص أيامه ولياليه. قال تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]،
وقال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].

فاتقوا ربكم واعبدوه، وأقيموا صلاتكم، وأدّوا زكاة أموالكم، وصوموا شهركم محتسبين، وتوبوا إلى الله توبةً صادقة، وأزيلوا العداوة والبغضاء من قلوبكم، وأصلحوا ذات بينكم.

واعلموا أن الصيام شُرع للتقوى، فاجتنبوا الغيبة والنميمة، والكذب والغش، والظلم والربا، وسائر المحرمات، فإنها تمنع قبول العمل وإجابة الدعاء. وليجتنب الصائم النظر المحرم وسماع ما لا يرضي الله، وليستبدل ذلك بتلاوة القرآن وذكر الرحمن.

واستكثروا من أربع خصال: شهادة أن لا إله إلا الله، وكثرة الاستغفار، وسؤال الله الجنة، والاستعاذة من النار. واحرصوا على الدعاء عند الإفطار؛ فإن للصائم عند فطره دعوةً لا تُرد.

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ…﴾ [البقرة: 186].

واعلموا أن للصيام سننًا وآدابًا، من أخذ بها عظم أجره وكمل صومه؛ من السحور، وحفظ اللسان، وتعجيل الفطر، والفطر على التمر أو الماء.

ذلكم هو شهر رمضان، شهر الصيام والقيام، شهر التقوى والغفران، شهر عظّم الله فيه الأجر، وفتح فيه أبواب الرحمة، وضاعف فيه الحسنات.

فيه تزكّى النفوس، وتصفو القلوب، ويخرج المؤمن وقد تغيّر حاله، وصلح قلبه، واستقامت جوارحه.

فطوبى لمن جعل صيامه مدرسةً للتقوى، وموسمًا للتوبة، وسلّمًا إلى رضوان الله والجنة.

فاغتنموا أيامه ولياليه، وأكثروا من الذكر والدعاء والصدقة، فإن الرابح من خرج من رمضان مغفورًا له، والمحروم من أدركه ثم انصرف ولم يُغفر له.

نسأل الله أن يجعلنا من المقبولين، وأن يعيننا على الصيام والقيام، وأن يرزقنا التقوى والإخلاص، ويعتق رقابنا ورقاب والدينا من النار، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.