القلب الذي لا ينام

عن الطريق الباطني للنبي محمد صلى الله عليه وسلم

عندما يُذكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، غالباً ما يُشار إليه كمشرّع أو قائد أو جار رحيم. كل ذلك صحيح ومهم. غير أن تحت هذه الأدوار شيئاً أهدى: رجل بقي قلبه يقظاً حتى حين كانت عيناه ترتاح. وفي هذا الفضاء الداخلي — في ساعات الليل، وفي التواضع والشكر — يكمن ما يمكن أن يخاطب اليوم إنساناً يبحث عن أكثر من الالتزام الظاهر.

سألت عائشة رضي الله عنها عن خُلق النبي، فقالت: «كان خلقه القرآن.» (صحيح مسلم 746) ويقول القرآن عنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4). الخُلق هنا ليس مجرد مجموعة من العادات الحسنة. إنه التعبير الظاهر عن حالة باطنة. فما مدحه القرآن أحبّه، وما ذمّه اجتنبه. سمح للوحي أن ينفذ إلى أعمق طبقات كيانه، وعاد إليه باستمرار.

من أوضح الشهادات على هذه الحياة الباطنية صلاته في الليل. روى المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم حتى تتورم قدماه. فلما قيل له: لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟» (صحيح البخاري 6471؛ صحيح مسلم 2819) وأكّدت عائشة ذلك أيضاً. (صحيح مسلم 2820) لم يكن ذلك خوفاً ولا طلباً لشيء. كان جواب قلب عرف عظمة العطاء ولم يرد أن يبقى مديناً. الشكر هنا ليس مجرد شعور، بل موقف يبقي الإنسان في حركة نحو الله حتى حين لا يبقى ما «يُستدرك».

ولا تقل أهمية عن ذلك ما روته عائشة: سألته هل ينام قبل الوتر، فأجاب: «تنام عيني ولا ينام قلبي.» (صحيح البخاري 3569) القلب في الفهم الإسلامي ليس مجرد موضع المشاعر. إنه موضع المعرفة والوفاء، موضع يمكن أن يُضاء أو يُظلم. بقي قلب النبي مفتوحاً حتى في سكون الجسد. وهذه ليست حالة خاصة به وحده. إنها دعوة. قيام الليل دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم. (سنن الترمذي)

ويحث القرآن النبي نفسه على قيام الليل: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (الإسراء: 79). وقبل ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ۝ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (المزمل: 1-2). هذه الآيات ليست مجرد أمر. إنها تبيّن أن لليل وزناً خاصاً للقلب — ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ (المزمل: 6).

وأعمق صورة لهذا الطريق الباطني تبقى الإسراء والمعراج. يقول القرآن عنها بإيجاز: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1). الحادثة التاريخية ثابتة. وفي الوقت نفسه تحمل صورة رحلة يمكن أن تخاطب قلب كل مؤمن. تبدأ من الكعبة، وتمر بالقدس، ثم تصعد حتى الحد الذي لا يبلغه الملك. ثم يعود النبي. والعودة هي المفتاح. القرب الأعلى لم ينتهِ في العزلة. انتهى بالعودة بين الناس، مع واجب أن يعيش ما تلقّاه في الحياة اليومية.

سار النبي طريق الليل لا بجسده فحسب، بل بقلبه. والقلب الذي مرّ بمثل هذه الرحلة يظهر بعد ذلك في الخُلق الذي وصفته عائشة بأنه القرآن في حركة. ليس من الضروري البحث عن تأويلات خاصة. يكفي أن نلحظ الاتجاه: من مكان العبادة الظاهر إلى القرب الباطن، ومن ذلك القرب إلى الحياة مع الناس.

ومن ذلك ينشأ للإنسان المعاصر سؤال بسيط لكنه صعب: ماذا يفعل قلبي حين يرتاح الجسد؟ ليس المقصود أن يقوم كل أحد لصلاة ليل طويلة. المقصود هو هل توجد لحظة أصلاً يمكن فيها للقلب أن يتوجه إلى الله بلا محرّك خارجي. حتى صلاة قصيرة، أو بضع آيات، أو ذكر هادئ، يمكن أن تكون بداية. قال النبي إن الرب أقرب ما يكون من العبد في جوف الليل الآخر. (صحيح البخاري) الصمت والظلمة يمكن أن يكونا مكان لقاء، إذا انفتح القلب.

الحياة الروحية الباطنية في الإسلام ليست هروباً من العالم. إنها تطهير لما ندخل به إلى العالم. لم يكن خُلق النبي منفصلاً عن ساعات ليله. بل كان يستمد منه. وحين كان يغفر في النهار، ويلين، ويبقى صادقاً حتى تحت الضغط، لم يكن ذلك مجرد قرار إرادة. كان ثمرة قلب تعلّم أن يبقى شاكراً ويقظاً.

ولعل لهذا يبقى النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا مؤسساً لجماعة فحسب، بل دعوة حية. دعوة لأن يدع الإنسان قلبه أحياناً لا ينام — لا من واجب، بل من شكر. ثم يعود، مثله، بين الناس بقدرة أنقى على الحب والغفران والوفاء.