فإن من عظمة هذا الدين وكمال شريعته أنه لم يقتصر على معالجة المشكلات بعد وقوعها، بل أرشد الإنسان إلى الوقاية منها قبل حدوثها، وإلى الأخذ بالأسباب التي تحمي الفرد والأسرة والمجتمع من كثير من الأزمات والانحرافات.
ونحن نردد كثيرًا: «درهم وقاية خير من قنطار علاج»، ولكن الأهم أن تتحول الوقاية إلى منهج عملي في حياتنا وتربية أبنائنا وأسرنا ومؤسساتنا.
فكثيرًا ما ننتظر حتى تقع المشكلة ثم نسأل: كيف نعالجها؟
قد يأتي الأب أو الأم بعد سنوات يشكون من ابتعاد الابن عن الدين، أو وقوعه في الحرام، أو تأثره بأفكار وشبهات، أو تعلق الابنة بعلاقة تتعارض مع دينها وقيمها، ولا سيما في واقعنا الأوروبي.
وهنا ينبغي ألا يكون سؤالنا فقط: كيف نعالج المشكلة؟
بل علينا أن نسأل قبل ذلك: كيف كان يمكن أن نتجنب وقوعها من الأصل؟
وهذا هو جوهر التربية الوقائية. فالقرآن الكريم لا ينهانا عن الخطأ فقط، وإنما يوجهنا إلى الابتعاد عن أسبابه ومقدماته. قال الله تعالى:﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
لم يقل سبحانه فقط: لا تزنوا، وإنما قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾، أي ابتعدوا عن الطرق والأسباب التي تقود إلى الحرام. وفي سورة النور نجد منظومة متكاملة من الوقاية، تبدأ بغض البصر وحفظ الفرج، قال تعالى:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾.
كما أرشد الإسلام إلى الزواج باعتباره طريقًا مشروعًا للعفة وصيانة المجتمع، فقال سبحانه:﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.
وهكذا لا ينتظر الإسلام وقوع المشكلة، وإنما يبني حول الإنسان سياجًا من الإيمان والأخلاق والتوجيهات التي تحميه.
وهذا المنهج نحتاج إليه اليوم بصورة خاصة في تربية أبنائنا وشبابنا في أوروبا.
فأبناؤنا يعيشون في عالم مفتوح، والإنترنت ووسائل التواصل بين أيديهم، وتصل إليهم الأفكار والشبهات والمؤثرات بسرعة لم تعرفها الأجيال السابقة.
فهل ننتظر حتى يأتي الابن يومًا ويقول: لم أعد أؤمن؟ ثم نبدأ بالبحث عن حل؟
أم نبدأ منذ طفولته ببناء إيمانه، وتعليمه معرفة الله ومحبته، وتعويده على الصلاة، وفتح باب الحوار معه؟
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾.
ومن المهم أن نعطي أبناءنا فرصة للسؤال والتعبير عما يدور في أذهانهم، وألا نخاف من أسئلتهم؛ فالسؤال قد يكون طريقًا إلى فهم أعمق وإيمان أقوى إذا وجد الشاب من يسمعه ويحاوره بحكمة ورحمة.
ولا نستطيع أن نحمي أبناءنا إذا كنا بعيدين عن عالمهم.
فلا بد للوالدين من معرفة ما يشاهده أبناؤهم، وما يسمعونه، وما هي الأفكار والتحديات التي تواجههم في المدرسة والمجتمع ووسائل التواصل.
والوقاية لا تتعلق بالأبناء فقط، وإنما تبدأ كذلك من حماية الأسرة نفسها.
فالأسرة بالنسبة للمسلم، ولا سيما في بلاد الغربة، هي المكان الأول الذي يتعلم فيه الطفل دينه وقيمه وهويته.
ولهذا ينبغي ألا ننتظر حتى تتراكم الخلافات بين الزوجين وتصل الأسرة إلى الانهيار، ثم نبدأ بالبحث عن العلاج. قال الله تعالى:﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾.
فاللباس ستر وقرب وحماية وأمان، وهكذا ينبغي أن تكون العلاقة بين الزوجين؛ قائمة على المودة والرحمة والصبر والتغافر.
أيها الإخوة والأخوات،
إن شبابنا اليوم يحتاجون إلى تحصين فكري أمام الشبهات، وتحصين إيماني وأخلاقي أمام الشهوات.
ولا يكفي أن نقول للشاب: هذا حرام، ثم نتركه وحده في مواجهة عالم مليء بالفتن.
علينا أن نقوي صلته بالله، ونسمع مشكلاته، ونفهم واقعه، ونفتح أمامه أبواب الحلال.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء».
ولهذا ينبغي للمجتمع المسلم أن يساعد الشباب على الزواج، وأن يخفف عنهم العوائق المادية والاجتماعية غير الضرورية.
عباد الله،
والمنهج الوقائي لا يخص الفرد والأسرة وحدهما، بل تحتاج إليه كذلك مساجدنا ومراكزنا ومؤسساتنا الإسلامية.
ينبغي أن نسأل: أين ستكون مؤسساتنا بعد خمس أو عشر سنوات؟ ومن سيحمل المسؤولية بعدها؟
علينا أن نشرك الشباب، وأن نستفيد من طاقاتهم، وأن نردم الفجوة بين الأجيال، وأن نخطط لمستقبل مؤسساتنا ماليًا وإداريًا واجتماعيًا، بدل أن ننتظر وقوع الأزمات ثم نبحث عن الحلول.
إن التربية الوقائية ليست فكرة نظرية، وإنما هي منهج حياة.
نحتاج إليها مع أطفالنا قبل أن يكبروا، ومع شبابنا قبل أن تحاصرهم الشبهات والشهوات، وفي أسرنا قبل أن تتراكم الخلافات، وفي مؤسساتنا قبل أن تقع الأزمات.
ولذلك لا ينبغي أن يكون سؤالنا فقط:
ماذا نفعل عندما تقع المشكلة؟
بل علينا أن نسأل:
ماذا نستطيع أن نفعل اليوم حتى لا تقع المشكلة غدًا؟
ماذا أفعل اليوم حتى أحمي أبنائي؟
وماذا نفعل اليوم حتى نحافظ على أسرنا؟
وماذا تفعل مؤسساتنا اليوم حتى تبقى قوية وفاعلة للأجيال القادمة؟
اللهم احفظ أبناءنا وأسرنا، وثبّت قلوبنا على دينك، واصرف عنا وعنهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، وارزقنا الحكمة وحسن التربية، واجعل بيوتنا عامرة بالإيمان والمودة والرحمة.


