إن هذه الدنيا دار ابتلاء واختبار، وقد جُبلت على الأكدار والمصاعب، فلا يكاد الإنسان يمضي في حياته دون أن يواجه محنة أو مصيبة أو أزمة. فقد يُبتلى في نفسه، أو أهله، أو ماله، أو أولاده، أو صحته، أو دينه، أو عمله، أو مجتمعه، وقد يُبتلى في رزقه وطعامه وشرابه وحريته.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى الابتلاء سنة من سنن هذه الحياة، لا يُستثنى منها أحد، حتى الأنبياء والرسل، وهم أحب الخلق إلى الله وأقربهم إليه. روى الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاءً؟ فقال:«الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة». وقال الله تعالى:﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.
فالابتلاء مرتبط بحياة الإنسان منذ خلقه، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى أن الإنسان خُلق ليُختبر ويُبتلى، وليظهر منه الشكر أو الجحود، والطاعة أو المعصية.قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.
عباد الله، لقد ابتُلي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أحب الخلق إلى الله، فصبر وثبت. وابتُلي موسى عليه السلام، وقال الله له: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾. وابتُلي يوسف عليه السلام في أهله وغربته وسجنه وعِرضه وأمانته، حتى قال إخوته: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
وهكذا ابتُلي الأنبياء والصالحون من قبلنا، ولا يزال الناس في كل زمان ومكان يُبتلون في حياتهم وأسرهم وأعمالهم وأولادهم ومجتمعاتهم، ويُبتلون كذلك في عبادتهم وطاعتهم وإيمانهم.
فالعالِم يُبتلى في علمه، والتاجر يُبتلى في تجارته، وصاحب المال يُبتلى في ماله، وصاحب المنصب يُبتلى في منصبه، والإنسان يُبتلى فيما أعطاه الله كما يُبتلى فيما منعه منه.
وقد جعل الله الناس متفاوتين في الأرزاق والقدرات والمناصب، فمنهم القانع الراضي، ومنهم الساخط الطامع، ومنهم من يشكر الله على نعمته، ومنهم من يجحدها ويتكبر بها على الناس.
وكم من خلاف وقع بين الناس لأنهم نسوا أن المعطي هو الله، وأن الرزق بيده سبحانه، فتحولت النعمة إلى سبب للنزاع والحسد والتباغض والتفرق.
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾.
أيها المؤمنون، ليس كل ابتلاء شرًا للإنسان، بل قد يكون البلاء منحة من الله ورحمة بعبده المؤمن؛ يكفر الله به الذنوب والخطايا، ويرفع به الدرجات، ويطهر به النفوس، ويعيد القلوب إلى خالقها.
وبالابتلاء يظهر صدق الإنسان وإيمانه وصبره، وتنكشف حقيقة النفوس؛ فيُعرف الصادق من الكاذب، والصابر من الجزع، والمؤمن الصادق من المنافق.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
ولهذا ينبغي للمسلم أن يتعلم كيف يتعامل مع البلاء، وألا يجعل المصيبة سببًا لليأس والقنوط والاعتراض، بل يجعلها طريقًا إلى زيادة الإيمان والقرب من الله.
فالمؤمن يعلم أنه لا مفر من قدر الله، ويتعلم التسليم والرضا بما قدّره سبحانه، ويوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن إيمانه لا يكتمل حتى يؤمن بالقدر خيره وشره.
روى الوليد بن عبادة أنه دخل على أبيه وهو مريض، وظن أنه سيموت، فقال له: «يا أبتِ، أوصني واجتهد لي».
فقال: «أجلسوني». فلما أجلسوه قال: «يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله تبارك وتعالى، حتى تؤمن بالقدر خيره وشره». قال: قلت: «يا أبتِ، وكيف لي أن أعلم خير القدر وشره؟»
فقال: «تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك». ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة».
يا عباد الله، عندما يستقر هذا اليقين في قلب المؤمن، تتغير نظرته إلى مصائب الحياة. فلا يعيش أسيرًا لسؤال: لماذا حدث لي هذا؟ ولماذا أنا؟ بل يسأل نفسه: كيف أتعامل مع ما قدّره الله لي؟ وكيف أخرج من هذه المحنة أقرب إلى ربي وأقوى إيمانًا وأكثر صبرًا؟
فالإنسان لا يستطيع دائمًا أن يختار ما يحدث له، ولكنه يستطيع أن يختار كيف يتعامل معه.
قد يفقد الإنسان مالًا، أو عملًا، أو شخصًا يحبه، أو تصيبه شدة في صحته أو أسرته، ولكن المؤمن يعلم أن أجر الصبر عند الله أعظم مما فقده في الدنيا. قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر، عوضته منهما الجنة». والمقصود بحبيبتيه عيناه.
وروى أبو موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد».
فما أعظم أجر الصابرين، وما أوسع رحمة الله بعباده.
عباد الله، إن المؤمن إذا فهم حقيقة الابتلاء لا ينظر إلى المصيبة على أنها نهاية الطريق، ولا يرى فيها شرًا محضًا، بل يعلم أن لله فيها حكمة قد يدركها وقد لا يدركها.
فكم من محنة قرّبت إنسانًا من ربه، وكم من مصيبة أعادت غافلًا إلى الصلاة، وكم من مرض جعل الإنسان يعرف قيمة الصحة، وكم من فقد علّم الإنسان قيمة من حوله، وكم من ضيق علّم الإنسان الصبر والتوكل والدعاء.
فإذا أصابت المؤمن مصيبة صبر، وإذا أصابه الخير شكر، وإذا ضاقت به الدنيا لجأ إلى الله، وإذا اشتدت عليه المحن ازداد تعلقًا بخالقه. وهكذا يمكن أن تتحول المحنة إلى منحة، والبلاء إلى طريق للأجر، والحزن إلى باب للقرب من الله سبحانه وتعالى. فلا نيأس عند البلاء، ولا نعترض على قضاء الله، ولا ننسى نعمه عند الشدة، ولنتذكر دائمًا أن الدنيا دار امتحان وليست دار جزاء، وأن الجزاء الكامل عند الله في الآخرة.
وفي الختام، نسأل الله أن يصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، وأن يرزقنا الصبر والثبات عند البلاء، والشكر عند الرخاء، وأن يثبّت قلوبنا على الإيمان، ويوفقنا لما يحب ويرضى.


