بعد أيام قليلة نودّع عاماً هجرياً مضى من أعمارنا، ونستقبل عاماً جديداً. وهي مناسبة تدعونا إلى الوقوف مع أنفسنا وقفة محاسبة وتأمل؛ فالأيام تمضي مسرعة، والأعمار تنقضي، والآجال تقترب، وكل يوم يرحل من حياتنا لا يعود أبداً. وقد صدق الحسن البصري رحمه الله حين قال: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك».
وفي هذه الذكرى المباركة نستحضر حدثاً عظيماً غيّر مجرى التاريخ، ألا وهو الهجرة النبوية المباركة. فالهجرة لم تكن مجرد انتقال من بلد إلى بلد، ولا مجرد نجاة من أذى المشركين، بل كانت مدرسة ربانية متكاملة تربّي الأمة على معاني الإيمان والتوكل، وتعلمها كيف تجمع بين الثقة بالله والأخذ بالأسباب، وبين اليقين بوعد الله والعمل الجاد لتحقيقه.
إن المتأمل في بدايات الدعوة الإسلامية يرى حجم المعاناة التي عاشها النبي ﷺ وأصحابه من اضطهاد وتعذيب وحصار ومقاطعة، حتى ظن كثير من الناس أن هذه الدعوة لن تقوم لها قائمة. ولكن الله سبحانه أراد أن يعلم عباده أن الفرج قد يولد من قلب المحنة، وأن النصر قد يأتي بعد أشد لحظات الضعف والكرب. فما هي إلا سنوات قليلة بعد الهجرة حتى تحولت الجماعة المستضعفة إلى أمة قوية تحمل رسالة الله إلى العالمين.
وفي واقعنا المعاصر، حيث تتكالب الفتن، وتزداد حملات التشويه للإسلام وأهله، ويشعر كثير من المسلمين بالحزن لما يرونه من ضعف الأمة وتفرقها، فإن من أعظم ما نتعلمه من الهجرة ألا نستسلم لليأس والإحباط، وألا نعيش أسرى للشكوى والتحسر. فالمؤمن الحقيقي يتعبد لله بالأمل كما يتعبد له بالصلاة والدعاء، لأنه يعلم أن اليأس ليس من أخلاق المؤمنين، وأن حسن الظن بالله عبادة عظيمة.
لقد ربّى النبي ﷺ أصحابه على هذا المعنى منذ الأيام الأولى للدعوة، فعندما اشتد عليهم البلاء وضاقت بهم السبل، قال لهم: «والله ليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون». فكان ﷺ يرى بنور الوحي ما لا يراه الناس، ويعلم أن وعد الله حق وإن تأخر تحققه.
ولهذا يبقى المؤمن واثقاً بأن ما يمر به الإسلام والمسلمون من شدائد ومحن إنما هو ابتلاء عابر، أما كلمة الله فهي الباقية الظاهرة المنتصرة. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. لقد حاول أعداء الإسلام عبر القرون أن يطفئوا نور الله وأن يقضوا على دعوته، ولكنهم ذهبوا وبقي الإسلام، وضعفت قوتهم وبقي القرآن يتلى، لأن الله تكفل بحفظ دينه ونصرة رسالته، فقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
ومن أعظم الدروس التي تعلمنا إياها الهجرة أن التوكل الحقيقي لا يعني ترك الأسباب أو انتظار المعجزات. فقد كان النبي ﷺ أعظم الناس يقيناً بالله، ومع ذلك كان أعظمهم أخذاً بالأسباب. فقد ظل سنوات طويلة يعرض الإسلام على القبائل في مواسم الحج، ويتحمل الإعراض والسخرية والتكذيب، حتى هيأ الله له الأنصار من أهل المدينة، فكانت بيعة العقبة الأولى ثم الثانية، ثم جاءت الهجرة المباركة.
وعندما اجتمع زعماء قريش للتخطيط لقتله ﷺ، لم يقل: أنا رسول الله والله سيحميني دون أن أبذل جهداً، بل أعد خطة دقيقة ومحكمة للهجرة، واختار أبا بكر رضي الله عنه رفيقاً له، ورتب طريق السير، واستأجر دليلاً خبيراً بمسالك الصحراء، واتخذ كل سبب مشروع يمكن أن يعينه على الوصول إلى المدينة بسلام.
وقد يتساءل البعض: لماذا لم يرسل الله البراق للنبي ﷺ في الهجرة كما أرسله في رحلة الإسراء والمعراج؟ والجواب أن الله أراد أن يعلم الأمة أن إقامة الدين ونصرة الحق في الأرض لا تكون بالخوارق وحدها، وإنما تجري وفق سنن الله الكونية التي تقوم على العمل والتخطيط والإعداد والأخذ بالأسباب مع صدق التوكل عليه سبحانه.
فالله عز وجل جعل لهذا الكون قوانين ثابتة لا تحابي أحداً، مؤمناً كان أو كافراً. وهذه السنن لا تتخلف ولا تتبدل. ولذلك قيل: إن من أخذ بالأسباب وصل إلى النتائج بإذن الله. وقد عبّر الدكتور مصطفى محمود رحمه الله عن هذا المعنى بقوله: “لو نزل إلى الماء مسلم وكافر فلن ينجو إلا من يجيد السباحة”. فسنن الله لا تعرف المجاملات، وإنما تعطي كل إنسان بقدر ما بذل من جهد وأخذ من أسباب.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما وقع في غزوة أحد. فقد أمر النبي ﷺ الرماة بالبقاء في مواقعهم وعدم مغادرة الجبل مهما كانت الظروف، فلما رأى بعضهم الغنائم ظنوا أن المعركة انتهت، فنزلوا من أماكنهم وخالفوا أمر النبي ﷺ، فاستغل المشركون هذا الخطأ، وانقلبت موازين المعركة بعد أن كانت الغلبة للمسلمين.
ومع أن رسول الله ﷺ كان بين أصحابه، إلا أن الله أراد أن يربي الأمة على أن سننه لا تحابي أحداً، فقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. أي أن التقصير في الأسباب له نتائجه، وأن المؤمن مطالب ببذل وسعه كاملاً، ثم يرضى بعد ذلك بما يقدره الله سبحانه.
وقد تجلى هذا المعنى بأوضح صورة في الهجرة نفسها. فقد أخذ النبي ﷺ بكل الأسباب الممكنة، ومع ذلك وصل المشركون إلى باب الغار حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: “لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا”. وهنا ظهر كمال التوكل بعد استكمال الأسباب، فقال النبي ﷺ مطمئناً صاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
وهكذا تكون حياة المؤمن؛ يعمل ويجتهد ويسعى، ثم يفوض النتائج إلى الله. فالمريض يتداوى ويأخذ العلاج، وصاحب العمل يخطط ويبذل جهده، والداعية يدعو ويصبر، ثم يترك النتائج لله سبحانه. وقد يحاول الشيطان أن يزرع الشكوك في قلب الإنسان عند تأخر الفرج أو بطء النتائج، فيقول له: دعوت كثيراً فلم يُستجب لك، واجتهدت فلم تنجح، وصبرت فلم يتغير حالك. لكن المؤمن يعلم أن لله حكمة في كل ما يقدره، وأن وعد الله لا يتخلف أبداً.
ومن أعظم دروس الهجرة أيضاً ألا يستعجل المسلم النتائج. قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾. فجاء التعبير بصيغة الماضي للدلالة على أن وقوعه مؤكد لا شك فيه. فما وعد الله به آتٍ لا محالة، وإن تأخر في نظر الناس، ولذلك أمر الله بالصبر والثبات ووعد بمعيته للمتقين والمحسنين.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس أن يجعلوا الإيمان بالقضاء والقدر مبرراً للكسل وترك العمل. وقد بيّن عمر بن الخطاب رضي الله عنه الفهم الصحيح عندما رجع من الشام بسبب انتشار الوباء، فقيل له: أتفر من قدر الله؟ فقال: «نفر من قدر الله إلى قدر الله». فالأخذ بالأسباب من قدر الله، كما أن النتائج من قدر الله.
ولهذا قال النبي ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز». وسأل أحد الشباب الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟ فقال له: “يا بني، الإنسان في الشرق مسيّر وفي الغرب مخيّر!” فلما تعجب الشاب قال الشيخ: “إنهم عرفوا أن لديهم عقولاً فاستعملوها، أما نحن فما زلنا نتساءل هل نملك عقولاً وحرية واختيار أم لا!”. والمقصود من ذلك التنبيه إلى أن كثيراً من الناس يختبئون خلف شعارات القدر ليبرروا التقصير والكسل، بينما المطلوب شرعاً هو العمل وبذل الوسع.
فالمؤمن الحق هو الذي يجمع بين قوة السعي وحسن التوكل، وبين العمل والرضا، وبين التخطيط والثقة بالله سبحانه وتعالى.
إن الهجرة تعلمنا أن التوكل الحقيقي ليس تواكلاً وكسلاً، وإنما هو قلب معلق بالله، وجوارح تعمل بالأسباب، ثم رضا وتسليم لما يقدره الله بعد ذلك. فإذا بذلت ما تستطيع، وأحسنت الأخذ بالأسباب، ثم جاءت النتائج على غير ما كنت تتمنى، فاعلم أن الله قد اختار لك ما هو خير وأصلح، وإن لم تدرك حكمته في حينها.
ولهذا كان شعار المؤمنين في كل أحوالهم: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. فهو سبحانه الكافي لعباده، والعالم بما يصلحهم، والمدبر لأمورهم بحكمة ورحمة وعدل.
ونسأل الله تعالى أن يرزقنا صدق التوكل عليه، وحسن الأخذ بالأسباب، والثبات على الحق، واليقين بوعده، وأن يجعل العام الهجري الجديد عاماً مباركاً على الإسلام والمسلمين، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ويصلح أحوال الأمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.




