إن النفس البشرية بطبيعتها تمرّ بحالات من النشاط والفتور، تُقبل حينًا وتضعف حينًا آخر، ومن رحمة الله تعالى بعباده، ومن واسع فضله وكرمه، أنه لم يتركهم أسرى لهذا التقلّب، بل جعل لهم في أيام أعمارهم مواسمَ إيمانيةً ونفحاتٍ ربانية، تُضاعف فيها الأجور، وتُفتح فيها أبواب الرحمة، وتُهيّأ فيها أسباب القرب منه سبحانه.

تصوّروا – ولله المثل الأعلى – ملكًا عظيمًا يفتح أبواب قصره في أيام محدودة، وينادي الناس: سلوني أُعطكم، واقتربوا أُكرمكم. كذلك هي أيام عشر ذي الحجة التي نحن على مشارفها؛ ليست مجرد أيام تمرّ في التقويم، بل هي فرصة عظيمة للتقرّب إلى الله، وموسم للفوز برضوانه ومغفرته.فقد روى البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام – يعني أيام العشر – قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) . حتى الجهاد في سبيل الله، وهو من أعظم الأعمال، لا يسبق فضل العمل فيها إلا من خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء.

أيها الإخوة الكرام،
إن هذه الأيام المباركة تأتي تمهيدًا لأعظم مشهد تعبّدي في حياة المسلمين؛ مشهد الوقوف بعرفة، حيث تتوجه قلوب الحجيج وأبدانهم إلى بيت الله الحرام، وهناك تتنزل الرحمات وتُسكب العبرات وتُعتق الرقاب من النار. ومع ذلك، لم يحرم الله من لم يُكتب له الحج من نصيب هذا الفضل، بل فتح له بابًا آخر من أبواب الخير؛ فإذا وقف الحجيج بعرفة، شُرع لنا صيام ذلك اليوم العظيم، لينال المسلم به مغفرة ذنوب سنتين. إنها وحدة شعورية وإيمانية يعيشها المسلم في كل مكان؛ ليدرك أن رب الحجيج هو ربّه، وأن الرحمة التي تتنزل هناك تمتد لتشمل كل قلبٍ ذَكَر الله وكل بيتٍ عُمِر بطاعته.

وهنا وقفة مهمة لنا، خاصة في مجتمعنا هنا في براغ وفي التشيك عمومًا.
فنحن نعيش حياتنا اليومية وفق التقويم الميلادي، وهذا أمر طبيعي تفرضه شؤون العمل والدراسة والمعاملات، لكن الخطر الحقيقي أن يضعف ارتباطنا بتقويم أمتنا التقويم الهجري، حتى ينشأ أبناؤنا وهم لا يعرفون متى يبدأ ذو الحجة، أو متى يحلّ المحرّم ورمضان. إن علاقتنا بالشهور الهجرية ليست مجرد معرفة بالتواريخ، بل هي صلة بالهوية والانتماء والإيمان.

فلنجعل من هذه الأيام فرصة لفتح التقويم الهجري مع أبنائنا، ولنحدّثهم عن هذا الشهر المبارك، ونخبرهم أن هذه أيام عظيمة أقسم الله بها، وأنها مواسم اصطفاها لعباده. لا تدعوا أبناءكم ينفصلون عن جذورهم، بل اجعلوا مواسم العبادة جسورًا تربطهم بدينهم وأمتهم، ليعلموا أن لهم تاريخًا خاصًا، وقِبلةً واحدة، وزمنًا مباركًا يجمعهم بأمة الإسلام عبر العصور.

أيها الأحبة،
ومن المعاني المهمة في هذه العشر أن لا تكون عبادتنا فيها فردية فقط، بل جماعية أيضًا. اجعلوا بيوتكم حيّة بالطاعة؛ اجتمعوا كأسرة على تلاوة القرآن ولو لدقائق معدودة، شجّعوا أبناءكم على الصيام، ونظّموا لقاءات إيمانية بسيطة في البيوت أو في المسجد. فالطفل حين يرى والده يكثر من التكبير، وأمه تصوم، والمسجد يمتلئ بالذاكرين، يترسخ في قلبه أن هذه الأيام لها مكانة عظيمة.

كما أن هدي النبي ﷺ في هذه الأيام كان متنوعًا في العبادة؛ صيامٌ، وذكرٌ، وتكبيرٌ، وتهليلٌ، وصدقةٌ، وصلةُ أرحام، وإقبالٌ على الله بالقلب والعمل. كانت هذه الأيام عنده موسمًا لتزكية النفوس، وتجديد العهد مع الله، وإصلاح القلوب.

ومن هنا، أدعو كل واحد منا أن يدخل هذه العشر بهدف واضح ونية صادقة؛ فربما يكون هدفك ختم جزء من القرآن، أو المحافظة على الأذكار، أو صيام يوم عرفة، أو إصلاح علاقة مقطوعة، أو صدقة خفية لا يعلمها إلا الله.

ولنبدأ من اليوم بتعليم أبنائنا التكبير، ولنُحيِ هذه الشعيرة في بيوتنا وسياراتنا ومجالسنا:
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

املؤوا بها الأجواء، وأحيوا بها القلوب، فلعل الله أن ينظر إلينا بعين رحمته ورضاه، فيكتب لنا خير هذه الأيام وبركتها.

اللهم بارك لنا في أوقاتنا، وبلّغنا عشر ذي الحجة، وأعنّا فيها على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم احفظ أبناءنا، واجعلهم قرة عين لنا، وثبّتهم على دينك في كل زمان ومكان.