لقد لخص الله لنا حقيقة هذه الدنيا في كلمات معدودة حين قال: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}.
في أواخر أيام النبي ﷺ، صعد المنبر، وكان قد بلغ من الجهد والرسالة منتهاها، فقال كلماتٍ هزت قلوب أصحابه: “إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أنْ يُؤْتِيَهُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا ما شاءَ، وبيْنَ ما عِنْدَهُ، فاخْتارَ ما عِنْدَهُ”. بكى أبو بكر الصديق لأنه فقه المراد، فقه أن النبي ﷺ يودع الدنيا.
تأملوا .. بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الصبر، وتحمل الأذى، وتعب الهجرة، وبعد أن فُتحت له الأرض، ودانت له القلوب، وقام الليل حتى تفطرت قدماه؛ لم يختر النبي ﷺ القصور، ولا الكنوز، ولا الخلود في “زهرة الدنيا”. اختار “ما عند الله”؛ لأن من ذاق حلاوة القرب من الخالق، استصغر كل ما في أيدي المخلوقين.
لماذا اختار ما عند الله؟ لأن النبي ﷺ عاش بقلبه في رحاب الحديث القدسي العظيم الذي يصف فقر الدنيا وغنى المولى، حين نادى الله عباده قائلاً: “يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمتُه فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كسوتُه فاستكسوني أكسكم”.
تأملوا هذا النداء العلوي.. إنه يسلب الدنيا بريقها الزائف؛ فلا غنيّ إلا بستر الله، ولا شبعان إلا بفضل الله، ولا مهتدي إلا بنور الله. بل ويضع النقاط على الحروف في قيمة هذه الدنيا وصغر حجمها في ملك الله حين يقول: “يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخيط إذا أدخل البحر”.
إذن، لماذا الظلم؟ ولماذا الصراع على حطامٍ لا يزن عند الله غمسة إبرة في محيط؟ إن ركعتي الفجر -تلك السجدات الهادئة- هي “العملة الحقيقية” التي تبقى، فهي خير من الدنيا وما فيها لأنها ترتبط بالباقي، والدنيا ترتبط بالفاني.
يقول الله تعالى في الحديث القدسي: “يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه”.
كثير منا جاء إلى “براغ” وهو في ريعان شبابه، في العشرين أو الثلاثين، يملؤه الطموح للدراسة أو العمل. وها هي الأيام تمر كمر السحاب، فإذا بالواحد منا قد بلغ الخمسين أو الستين.
السؤال الذي يجب أن يزلزل قلوبنا اليوم: ماذا غرسنا؟ الدنيا تمضي، والصحة تذبل، والمال يذهب ويجيء، فماذا قدمنا لأنفسنا في رحلة الخلود؟ هل أبقينا وراءنا ذرية صالحة تدعو لنا؟ هل تركنا أثراً طيباً في هذه البلاد يذكر الناس بعظمة ديننا؟
لقد وضع لنا النبي ﷺ منهجاً عملياً للاستثمار قبل فوات الأوان فقال: “اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”.
أين نحن من هذا الاغتنام؟ يا من بلغت الخمسين أو الستين، ماذا غرسنا لآخرتنا؟ إن الوظيفة التي استخلفنا الله فيها هي إعمار الأرض بقلب مؤمن. الغرس الحقيقي ليس في العقارات التي سنتركها لغيرنا، بل في “الذرية الصالحة” التي تدعو لنا، وفي “العمل الصالح” الذي نأخذه معنا.
يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. الغد ليس يوم الاثنين أو الثلاثاء، الغد هو الوقوف بين يدي الله.
فليكن تعاملنا مع براغ ومع أعمالنا وشوارعنا تعامل “عابر السبيل”؛ نأخذ منها الزاد، ونترك فيها الأثر، ونبني فيها للأجيال القادمة ما يربطهم بربهم. كن في الدنيا كأنك غريب، فالغريب دائماً عينه على “الوطن الحقيقي”، ووطننا هو الجنة، وسبيله هو تقوى الله وإصلاح العمل.




