حديثنا اليوم عن أرضٍ اصطفاها الله بالبركة قبل أن تطأها أقدام البشر، عن موضع يحتضن أحد أقدم بيوت الله في الأرض. فقد روى البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سأل النبي ﷺ: أي مسجد وُضع أولاً؟ فقال: المسجد الحرام، ثم المسجد الأقصى، وبينهما أربعون سنة.

إن صلتنا بالمسجد الأقصى ليست طارئة ولا عابرة، بل هي صلة ضاربة في أعماق التاريخ الإنساني. هذه الأرض كانت مهوى أفئدة الأنبياء ومهاجرهم؛ إليها هاجر إبراهيم عليه السلام، وعلى ثراها عاش إسحاق ويعقوب، وفي ربوعها تجلت معجزات الله لزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام. فكانت عبر العصور منارة للتوحيد، ومحراباً للعباد الذين أخلصوا لله الدين.

وليست أحقية المسلمين بالأقصى مجرد دعوى تُرفع، بل هي امتداد طبيعي لما يمكن تسميته بوراثة الإيمان؛ فالموحدون هم الأقرب إلى الأنبياء، وهم أولى بكل موضع أُقيم لذكر الله وحده. وعندما أُسري بالنبي محمد ﷺ إلى الأقصى وأمَّ الأنبياء، كان ذلك إيذاناً بانتقال أمانة التوحيد إلى هذه الأمة، لتكون حارسة لتراث الأنبياء ومقدساتهم.

أما اليوم، فإن المسجد الأقصى—بمساحاته الواسعة التي تبلغ نحو 144 دونماً—يعيش حالة من الغربة المؤلمة؛ تُغلق أبوابه في وجه عُمّاره، ويُحال بين المصلين وبينه، حتى تمر مواسم الطاعة كرمضان دون أن ترتوي القلوب بصلاته، ويأتي العيد وساحاته تفتقد فرحة المصلين. هذا إلى جانب الحفريات التي تهدد أساساته، والاقتحامات المتكررة التي تستهدف طمس هويته الإسلامية. ومع ذلك، يبقى أهلنا المرابطون هناك صامدين، يشكلون خط الدفاع الأول عن كرامة الأمة ومقدساتها.

أيها الإخوة الكرام، ونحن نعيش في مجتمعات تتعدد فيها الآراء، ينبغي أن نحمل قضية الأقصى بوعي راسخ وعلم صحيح. عرّفوا أبناءكم، وخاطبوا العالم من حولكم، بأن الأقصى حق ثابت لا يقبل المساومة، وأنه أمانة الأنبياء التي آلت إلى المسلمين.

إن كل مسلم هو سفير لقضيته؛ فثباته على دينه، وسمو أخلاقه، وإتقانه لعمله، كلها صور من نصرة هذا المقدس. ولا يظن أحدنا أنه بعيد؛ فدعاء صادق في جوف الليل لرفع البلاء عن الأقصى وأهله هو صلة حقيقية ببركة تلك الأرض.

أحيوا في بيوتكم سيرة الأنبياء في بيت المقدس، وربّوا أبناءكم على أن قبلتنا الأولى لا تغيب عن قلوبنا، وأن من بارك حول الأقصى حمّلنا مسؤولية رعايته ونصرته بالكلمة الصادقة، والدعاء الخاشع، والوعي بتاريخنا.

في الختام، تذكّروا أن الأقصى ليس مجرد أرضٍ تُذكر، بل هو عهدٌ في أعناقنا، واختبارٌ لصدق إيماننا ووفائنا لديننا. فمن صدق مع الله صدق الله معه، ومن حمل همّ أمته في قلبه لم يضيّعه الله.

فجدّدوا العهد مع ربكم، وأحيوا في قلوبكم معاني النصرة والارتباط، وكونوا ممن إذا ذُكّروا تذكّروا، وإذا دُعوا لبّوا، وإذا استُنهضت هممهم نهضوا.

اللهم اربط على قلوبنا، وأحيِ فينا روح المسؤولية تجاه مقدساتنا، واجعلنا من الذين ينصرون دينك بصدقٍ وإخلاص، وبلغنا يوم نرى فيه الأقصى حراً عزيزاً، وقد عادت إليه أفواج المصلين آمنين مطمئنين.