أيها الإخوة المؤمنون: كثيراً ما نقرأ في كتب السير ونظن أن أولئك الرجال الذين نطالع أسماءهم كانوا من طينة غير طينتنا، أو أن زمانهم انتهى. لكن الحقيقة أن الإسلام جاء ليصنع “النموذج” الذي يتكرر في كل عصر.

أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده

هل يمكن أن نجد في أيامنا هذه قلباً كأبي بكر؟ ذلك الإنسان الذي إذا قرأ القرآن بكى رقةً وخشية، وإذا تصدق بماله كله قال “أبقيت لهم الله ورسوله”. إننا نراه اليوم في ذاك المؤمن الذي يثق بوعود الله أكثر من ثقته برصيده في البنك، وفي الأب الذي يربي أولاده على الصدق المطلق مهما كان الثمن.

وهل يمكن أن نتمثل جسارة عمر؟ ذاك الذي لا يخشى في الحق لومة لائم. نراه اليوم في الشاب الذي يرفض الانجرار وراء فتن العصر، ويقول “لا” لكل ما يغضب الله بوقار وقوة، وفي الرجل الذي يغير المنكر بحكمة وشجاعة، فاتحاً قلوب الناس قبل ديارهم.

أين نحن من حياء عثمان؟ ذاك الذي تستحي منه الملائكة. نراه في التاجر المسلم الذي يغض بصره، ويقوم ليله، وينفق ماله بصمت ليعمر بيوت الله ويطعم الجائعين، وكأن يده الشمال لا تعلم ما أنفقت يمينه.

وأين نحن من فدائية علي؟ وعلمه الغزير. نراه في الطالب المتفوق الذي يسخر علمه لخدمة دينه، وفي الرجل الذي يضحي بوقته وراحته ليحمي هوية أبناء المسلمين، باذلاً نفسه فداءً لهذا الدين.

أيها الأحبة: إن لواء الإسلام ما زال مرفوعاً، وينتظر من يحمله بصدق طلحة الذي أنفق وجاهد، وبإخلاص الزبير حواري الرسول. ينتظر منا أن نكون بـ أمانة أبي عبيدة في أعمالنا، وبـ ذكاء عبد الرحمن بن عوف في تجارتنا؛ ذلك الذي جعل من “بيزنس” الدنيا قنطرة للآخرة. ينتظر منا ثبات سعيد بن زيد، ويقين سعد بن أبي وقاص في دعائه.

كيف استقبلت قلوب هؤلاء الرجال الوحي؟ لقد استقبلوه بالعمل لا بالتمني، وبالتضحية لا بالكسل. عرفوا الله في الرخاء، فوجدهم في الشدة.

أيها الإخوة الكرام: إننا نكدح في هذه الدنيا، نذهب لأعمالنا، نربي أطفالنا، نسعى لتأمين معاشنا.. لكن، لماذا؟ إن لم يكن سعينا هذا طمعاً في تلك اللحظة التي يقال فيها للمؤمن: {سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}. تخيلوا تلك اللحظة العزيزة، حين نلتقي برسول الله ﷺ وبالصحب الكرام الذين بشروا بالجنة.

لقد عاش هؤلاء الرجال الذين ذكرناهم حياة مليئة بالتحديات، تماماً كما نعيش في غربتنا، لكنهم فقهوا حقيقة الدنيا؛ فكانوا في بستانها غارسين، وللآخرة محبين.

وعندما اكتمل فيهم الإيمان، وصدقت منهم الأفعال، نزل الوحي على رسول الله ﷺ ليخلد أسماءهم بمداد من نور، وليعلم الدنيا أن هؤلاء هم الصفوة؛ فأعلنها النبي ﷺ صريحة مدوية: “أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة”.

هؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة.. لم تكن الجنة لهم “جائزة مجانية”، بل كانت ثمرة صدق ويقين وجهاد. فيا كرام، أنتم في دار العمل، فكونوا خير خلف لخير سلف. علموا أولادكم أن هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون، واربطوا مستقبل أبنائكم بماضيهم المشرف.

اللهم ارزقنا السير على خطى أصحاب نبيك. اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم أصلح لنا ذرياتنا واجعلهم ممن يحملون همّ هذا الدين. اللهم ثبت قلوبنا على الإيمان في الغربة، واجمعنا بالعشرة المبشرين في جنات النعيم مع حبيبك المصطفى ﷺ