لحمد لله الذي بلغنا رمضان، وأعاننا فيه على الصيام والقيام، ووفقنا فيه للطاعات والقربات. نحمده سبحانه على فضله وإحسانه، ونسأله جل في علاه أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.

أيها الإخوة الكرام…

لقد انقضى شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، شهر امتلأت أيامه بالصيام، ولياليه بالقيام، وتعطرت ساعاته بتلاوة القرآن، وكثرت فيه الصدقات، وارتفعت فيه الأكف بالدعاء.

ومع انقضاء هذا الموسم العظيم يقف المؤمن مع نفسه وقفة صادقة، ويسأل سؤالاً مهماً:

هل قُبل عملي؟
وما علامات قبول العمل الصالح؟

أولاً: سؤال الله القبول والخوف من رد العمل

إن أعظم ما يرجوه المؤمن بعد الطاعة أن يتقبلها الله منه، فليس الشأن في العمل، ولكن الشأن في قبول العمل.

قال الله تعالى:﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.

وسألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ فقالت: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يُقبل منهم».

تأملوا يا عباد الله…

هم أهل طاعة وعبادة، ومع ذلك قلوبهم خائفة، وعيونهم باكية، يسألون الله القبول.

ولهذا لما كان إبراهيم عليه السلام يرفع قواعد البيت مع ابنه إسماعيل، وهو عمل عظيم وشرف كبير، لم يغتر بالعمل، ولم يعتمد عليه، بل كان يدعو ويقول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

فالمؤمن بعد الطاعة لا يعجب بعمله، ولا يرى لنفسه فضلاً، بل يرى أن الفضل كله لله، ويظل قلبه معلقاً برجاء القبول.

ثانياً: الاستمرار في الطاعة بعد رمضان

أيها الأحبة…

لقد كان رمضان مدرسة إيمانية عظيمة، تعلمنا فيها الصيام، والقيام، وتلاوة القرآن، والصدقة، وصلة الأرحام، والكلمة الطيبة.

لكن السؤال الآن:

هل تنتهي الطاعة بانتهاء رمضان؟

إن من علامات قبول الحسنة أن تتبعها حسنة بعدها.

قال بعض السلف:من علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها، ومن شؤم المعصية المعصية بعدها.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إن لكل عمل شِرَّة، ولكل شِرَّة فترة»

أي أن لكل عبادة نشاطاً في البداية، ثم يأتي بعدها شيء من الفتور، وهذا أمر طبيعي، لكن المهم أن يبقى الإنسان على طريق الطاعة.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»

فلا يشترط أن تفعل الكثير، ولكن المهم أن تداوم على القليل.

ركعتان في الليل لا تتركهما.
صفحات من القرآن تقرؤها كل يوم.
صدقة يسيرة بين حين وآخر.
صلاة جماعة تحافظ عليها ما استطعت.

فالعبادة ليست موسماً عابراً، بل هي طريق حياة.

وقد شرع لنا النبي صلى الله عليه وسلم عبادة بعد رمضان مباشرة، وهي صيام ستة أيام من شوال، فقال:

«من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر».

ثالثاً: عبادة السر

ومن أعظم علامات قبول العمل أن يكون للعبد خبيئة من العمل الصالح بينه وبين الله.

عمل لا يراه الناس، ولا يسمع به أحد.

ركعتان في جوف الليل…
دمعة في سجدة خفية…
صدقة لا يعلم بها أحد…
مساعدة لمحتاج لا يطلع عليها الناس…

هذه الأعمال الخفية تربي القلب على الإخلاص.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل».

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه: «يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك في الجنة».فقال بلال:ما توضأت في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الوضوء ما كتب لي.

عمل خفي بين العبد وربه…
لكن الله رفع به درجته في الجنة.

وكان الحسن البصري يقول:اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم.

أيها الإخوة الكرام…

هذه بعض علامات قبول العمل الصالح:

أن يظل القلب خائفاً من رد العمل.
وأن تستمر الطاعة بعد مواسم الخير.
وأن يكون للعبد عمل خفي بينه وبين الله.

نسأل الله سبحانه أن يتقبل منا ومنكم، وأن يثبت قلوبنا على طاعته. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. اللهم تقبل منا رمضان، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم. وأعنا على طاعتك بعده.