ها قد شارفت أيامُ شهرِ رمضان المبارك على الانتهاء، وها هو يوشك أن يودِّعنا، فمن أحسن فيه بالقرآن تلاوةً وتدبرًا، وأقام الصلوات، وسلك سبيل الطاعات والقربات، فهنيئًا له هذا الفضل العظيم. ونقول لمن قصَّر أو فاته نصيب من الخير: لا تحزن، فقد أقبلت العشر الأواخر من رمضان، وهي تاج هذا الشهر وزينته، وهي قلبه النابض وروحه المتجددة.

إن العشر الأواخر هي خلاصة شهر رمضان وعصارته، وفيها تتنزل الرحمات وتُعتق الرقاب من النيران، ولذلك كان رسول الله ﷺ يخصُّها بمزيد من الاجتهاد في العبادة والطاعة.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدَّ وشدَّ المئزر».

أي كان يجتهد في العبادة اجتهادًا عظيمًا، لا يضيِّع ساعةً من هذه الليالي المباركة.

عباد الله،

لقد كان السلف الصالح يعرفون قدر هذه الليالي، فكانوا يستقبلونها بقلوبٍ خاشعة وأعمالٍ صالحة. رُوي عن الإمام سفيان الثوري رحمه الله أنه كان إذا دخلت العشر الأواخر ترك كثيرًا من الأعمال، وأقبل على الصلاة والقرآن والدعاء.

وكان الإمام مالك رحمه الله إذا دخلت العشر الأواخر ترك مجالس العلم، وأقبل على تلاوة القرآن والعبادة، تعظيمًا لهذه الأيام المباركة.

ولماذا كل هذا الاجتهاد؟

لأن فيها ليلةً عظيمة، هي ليلة القدر، الليلة التي قال الله تعالى فيها:﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.

أي أن العبادة فيها خير من عبادة أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنة.

وقال النبي ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِر له ما تقدم من ذنبه».

تأملوا يا عباد الله هذا الفضل العظيم: ليلة واحدة قد تكون سببًا في مغفرة الذنوب كلها.

وقد سألَت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن وافقتُ ليلة القدر، ماذا

أقول؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني».

عباد الله،

إنها أيام قليلة لكنها عظيمة القدر، وربما يكون هذا آخر رمضان في حياة بعضنا، فكم من أناسٍ كانوا معنا في رمضان الماضي، واليوم هم تحت التراب ينتظرون دعوة صالحة أو عملًا صالحًا.

فلنغتنم هذه الليالي بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن والدعاء، ولنوقظ أهلنا وأبناءنا ليتعرضوا لنفحات الله.

قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.

فالموفق من اغتنم هذه المواسم، والخاسر من ضيَّعها.

نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يرزقنا فيها القبول والمغفرة والعتق من النار.