تستقبل الأمة الإسلامية في الأيام القليلة القادمة ضيفًا عزيزًا كريمًا، تتشوّف القلوب إلى مجيئه، وتتطلع النفوس إلى قدومه، وكل مسلم يرجو أن يبلغه وأن ينال ما فيه من خيرٍ وبركة؛ إنه شهر رمضان المبارك، ذلك الشهر الذي خصّه الله جلّ وعلا بميزاتٍ كريمة وخصائص عظيمة ومناقب كثيرة تميّزه عن سائر الشهور. ومن أجل أن يكون استقبالنا له استقبالًا يليق بمقامه، فهذه وصايا نشاركها معًا استعدادًا للشهر الكريم.
فأول ما ينبغي أن يملأ القلب قبل رمضان أن يقول المؤمن: اللهم بلّغنا رمضان وبارك لنا فيه؛ لأن دخول رمضان على العبد وهو حيّ يرزق منحة عظيمة وخيرًا وفيرًا، فإذا وفّقه الله لصيامه وقيامه وحسن طاعته فيه كما ينبغي فهذه نعمة تستحق الشكر والثناء، وتستلزم الاعتراف بفضل الله وكرمه. ولهذا ينبغي للمؤمن أن يحمد الله على أن مدّ في عمره حتى أدرك هذا الشهر، وأن يسأله العون على حسن استقباله وحسن العمل فيه. وقد قيل في معنى نفيس: إذا دعوت الله أن يبلّغك رمضان فلا تنس أن تدعوه أن يبارك لك فيه؛ فليس الشأن في بلوغه فقط، وإنما الشأن ماذا ستعمل فيه. فإن وفّقك الله فيه لعملٍ صالح فقد تسبق به غيرك إلى الجنة. ويشهد لهذا ما ورد في قصة الرجلين اللذين أسلما مع النبي ﷺ، فاستُشهد أحدهما وتأخر الآخر سنة، فرُئي أن المتأخر دخل الجنة قبل الشهيد، فبيّن النبي ﷺ أن إدراكه رمضان بعد صاحبه وزيادته في العبادة كان سببًا في رفعة درجته وسبق دخوله.
ومن تمام الاستعداد أيضًا أن يكون القلب ممتلئًا بالفرحة ببلوغ رمضان؛ فرمضان شهر الخيرات وموسم الرحمات، فيه يزداد الأجر وتُضاعف الحسنات، ولذلك يفرح المسلم بإطلالته ويبتهج بقدومه، مصداقًا لقوله تعالى :﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58].
والمؤمن الصادق يفرح بطاعة الله، ويسعد بأن الله مدّ في عمره حتى بلّغه هذا الموسم العظيم. وكان النبي ﷺ يبشّر أصحابه بمقدمه ويصفه بأنه شهر مبارك، لما فيه من تنوّع البركات في الدعاء والوقت والصلاة والإنفاق وقراءة القرآن، وفي الليل والنهار. وقد صوّر النبي ﷺ هذه الفرحة بقوله: «للصائم فرحتان…» فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه بصومه. ومن آثار هذه الفرحة أن تُعمر المساجد في ليالي رمضان ويظهر فيها النور والبهاء.
ومن أعظم ما ينبغي أن يسبق رمضان إدراكُ أن النية قد تبلغ بصاحبها ما لا يبلغه العمل؛ فمن نوى الخير وعمل منه مقدوره ثم حُبس بعذر كان له أجر العامل، كما ثبت في الصحيح. ولذلك جدد العزم والنية من الآن: انو صيام الشهر كاملًا وقيام لياليه، وضع لنفسك نيات واضحة في القرآن وصلة الرحم والصدقة والذكر والدعاء. فإن حال بينك وبين بعض ما عزمت عليه عذرٌ كتب الله لك أجر ما نويت، كما في الحديث الصحيح. ومن صدق الله صدقه وأعانه ويسّر له سبل الخير، قال تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: 21]. وهنا يبرز سؤال مهم: ماذا يرى الله في قلبك الآن؟ أهو عزم على القرب من الله والقرآن والصلاة، أم انشغال بالغفلة واللهو الذي يقطع القلوب عن الله؟ وقد صدق قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]
ثم إن المؤمن لا يدخل رمضان دخول الغافلين، بل يتهيأ له بتوبة نصوح؛ فالله فتح لعباده باب التوبة رحمةً بهم، ورمضان شهر المغفرة والقبول، تُفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق أبواب النار وتُصفد الشياطين، وفيه ينادي منادٍ: يا باغي الخير أقبل… ولله عتقاء من النار كل ليلة. فحريٌّ بمن أدرك هذا الموسم أن يستقبله بتوبة صادقة وانطلاقة جادة، فإن الذنوب تثقل القلب وتحرم لذة الطاعة.
ومما يكمل صفاء التوبة طهارة القلب؛ فرمضان فرصة عظيمة لتطهير القلوب من الحسد والبغضاء والشحناء، ووصل ما انقطع من الأرحام، وإزالة أسباب الخصومة، ليكون العبد أقرب إلى الصفح والعفو والمسامحة، وهي من أعظم بركات الصيام.
وإذا كان رمضان بهذه المنزلة، فإن المؤمن ينظر إليه على أنه تجارة رابحة لا ينبغي تفويتها؛ فأوقاته كلها نفيسة، وهو ميدان واسع للعمل الصالح، وسوق عظيم للآخرة، وأرباحه مضمونة لمن صدق. ففيه الصيام وهو من أجلّ الأعمال، وفيه الصدقة، وكان النبي ﷺ أجود ما يكون في رمضان، وفيه إطعام الطعام وسقي الماء، ومن فطّر صائمًا كان له مثل أجره. وهو شهر القرآن بنص القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، وكان جبريل يدارس النبي ﷺ القرآن كل ليلة، وتمتلئ المساجد في لياليه بالتراويح والذكر وتلاوة القرآن. وقيام رمضان له فضل عظيم، كما قال ﷺ: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، والعمرة فيه تعدل حجة مع النبي ﷺ. وكل ذلك يدل على أن رمضان موسم لا يليق أن يُستقبل بالغفلة، ولا أن تُسرق أيامه في اللهو، فإن مجالس الغفلة تبتلع الأوقات، وتضعف الهمم، وربما أكلت الحسنات كما تأكل النار الحطب.
ومع ذلك كله، لا بدّ أن يكون المسلم على بصيرة من أمره، ومن هنا تأتي أهمية الوصية بتعلّم أحكام شهر رمضان قبل دخوله؛ فصيام رمضان ركنٌ من أركان الإسلام، ولا تصح العبادة إلا بعلمٍ وفهم. ومن الواجب على المسلم أن يعرف أحكام الصيام وآدابه وما يفسده، حتى يعبد الله على هدى وبصيرة، إذ فرقٌ كبير بين من يعبد الله على علمٍ فيتبع السنة، وبين من يكتفي بالتقليد أو يجعل عبادته مجرد عادة موروثة. وقد قرّر أهل العلم أن المكلَّف يجب عليه أن يتعلّم من الأحكام ما تصحّ به عبادته.
ولا يقف هذا الواجب عند حدود أنفسنا فحسب، بل يمتد ليشمل أبناءنا؛ فنحرص على تعليمهم أحكام الصيام، ونحفّزهم على صيام رمضان، ونغرس في قلوبهم محبة هذا الشهر الفضيل، حتى ينشؤوا على حب الطاعة، والتعلّق بالعبادة، والتقرّب إلى الله تعالى منذ الصغر.
ومن أعظم ما يفسد اغتنام رمضان إضاعة الأوقات في الإنترنت ووسائل التواصل؛ فرمضان أيام معدودات، والوقت هو رأس مال الإنسان. ويعين على الثبات كذلك اختيار الصحبة الصالحة التي تذكّر بالله وتعين على القيام والقرآن.
ثم لا يقتصر المؤمن على إصلاح نفسه، بل يجعل من رمضان فرصة ليكون إمامًا للخير ودالًا عليه؛ فإن رمضان أرض خصبة لنشر الدعوة، فالقلوب أقرب للخشوع، والنفوس ألين لقبول الموعظة، وإرادة التوبة أقوى. وهداية رجل واحد خير من الدنيا وما فيها؛ فخذ بيد من حولك: أهل بيتك، أصدقاءك، زملاءك… وادعهم إلى الخير، وكن سببًا لثباتهم، وابشر بأجر الدلالة: «من دل على خير فله مثل أجر فاعله».
وخلاصة الأمر أن رمضان فرصة الزمان حقًا، هكذا كان يعتقد سلفنا الصالح؛ لم يكن عندهم شهرًا عاديًا، بل موسمًا ينتظرونه بالدعاء والاستعداد. كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.
نسأل الله الكريم أن يبلغنا رمضان، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، وأن يرزقنا صدق التوبة وصفاء القلب وحسن العمل، وأن يجعلنا من المقبولين ومن عتقائه من النار.



