الورع في أصل معناه هو الكفّ والانقباض عن الشيء، وفي ميزان الشرع هو ترك الشبهات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، أي اترك ما فيه شكّ وريبة، وخذ بما لا شك فيه ولا تردد. فالورع أن تترك ما لم يتضح حكمه حتى تعلم: أحلال هو أم حرام؟ فإن لم يتبيّن لك، فتركه سلامة، والسلامة لا يعدلها شيء.
أن الورع ليس معناه تعذيب النفس، ولا ترك الفرائض، ولا التشدد في المستحبات، وإنما الورع الحقيقي يدور حول الحلال والحرام، حول المحرمات والشبهات، حول أكل الحرام وأداء حقوق العباد. ولذلك كثر كلام العلماء في ورع المعاملات والأسواق والأموال والألسنة، لا في مجرد كثرة صلاة أو صيام مع التفريط في حقوق الناس.
ومن أعظم الأخطاء أن يُظن أن التشدد هو الورع، وأن تضييق الحلال علامة التقوى، فالورع يحتاج إلى علم، وليس من الورع أن تحرّم ما أحلّ الله، ولا أن تضيق على الناس معايشهم. إنما الورع يبنى على العلم الشرعي، وقد جاءت الشريعة بتوسيع دائرة المصالح وتضييق دائرة المفاسد، فلا يُعقل أن يكون الدين كله تحريماً ثم يقال: هذا هو الإسلام، إنما هذا غلوٌّ لا ورع.
ولهذا لما ظنّ بعض الصحابة رضي الله عنهم أن الورع في ترك المباح، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم فلا أفطر، وقال الآخر: أقوم فلا أنام، وقال الثالث: لا أتزوج النساء؛ أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء»، فبيّن أن تحريم المباح ليس ورعاً، وأن العبادة تكون على هدي النبي لا على هوى النفس.
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قائماً في الشمس قد نذر ألا يقعد ولا يستظل، فقال: «إن الله غني عن تعذيب هذا لنفسه»، فأمره أن يقعد ويستظل، لأن الغلوّ ليس من الدين، والله غني عن تعذيب العباد أنفسهم باسم التدين.
عباد الله، إن وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه جامعة لمعنى الورع كله: «اتق المحارم تكن أعبد الناس»، فليست العبرة بكثرة النوافل مع الجرأة على الحرام، بل حقيقة العبادة في الكف عن المحرمات. ولما سُئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الورع قال: الورع ترك الحرام.
وقال بعض السلف: لأن أترك دانقاً من حرام أحب إليّ من سبعين حجة نافلة، فكيف بمن يتساهل في أموال الناس ثم يظن أن عمرة أو حجاً يمحو ما أفسده! وكان العلماء يقولون للتجار: خير من حرصكم على الصف الأول أن تتقوا الله في تجارتكم فلا تغشوا ولا تخدعوا الناس.
ومن أصعب الورع: الورع عن الشبهات، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». وكم نرى من يحرص على الصلاة والصيام، ثم إذا دخل باب المعاملات ضاعت التقوى، فأكل الحقوق واستحل أموال الناس بلا حرج.
وتأملوا رحمكم الله كيف كرر الله الأمر بالتقوى في سورة الطلاق، ليبين أن التقوى ليست شعائر فقط، بل من التقوى إعطاء الحقوق، والعدل عند الطلاق، وعدم الظلم أو المضارة، وأداء الحقوق إلى أهلها، خاصة حقوق الضعفاء.
وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم الورع في أدق صوره، فنهى الحسن رضي الله عنه عن تمرة الصدقة، وترك تمرة وجدها خشية أن تكون من الصدقة، وهذا أبو بكر رضي الله عنه يتقيأ طعاماً خشية أن يكون حراماً، استحضاراً لقوله صلى الله عليه وسلم: «كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به».
أيها المسلمون، الورع الحقيقي يظهر في حقوق الناس: في الميراث، والطلاق، والشراكات، وردّ المظالم. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتدرون من المفلس؟» ثم بيّن أن المفلس هو من يأتي بصلاة وصيام، وقد ظلم الناس، فتؤخذ حسناته حتى يفلس.
ومن أعجب الأحوال أن ترى من يصوم تطوعاً ويأكل الرشوة! أو يتعبد ظاهراً وبطنه ممتلئ من الحرام، وإن العبادة لا تنفع صاحبها مع الظلم وأكل أموال الناس بالباطل.
ومن أشد الورع وأعظمه: الورع في اللسان، بالكف عن أعراض الناس، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». وليس الورع أن تترك الخمر والزنا ثم تخوض في أعراض المسلمين بالغيبة والبهتان، بل الورع أن تحفظ لسانك، وتتثبت، ولا تتبع العورات، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتبعوا عورات المسلمين».
وليس من الورع أيضاً الوسوسة والتشدد فيما عفا الله عنه، في الطهارة والصلاة ونحوها، فإن الله تجاوز عن الخطأ والنسيان، والوسوسة من مداخل الشيطان. وكذلك ليس من الورع التقعر في مخارج الحروف والتكلف في التلاوة، فالقرآن يُقرأ كما قرأه النبي صلى الله عليه وسلم، بإتقان بلا غلو ولا تشديد.
فاتقوا الله عباد الله، وخذوا من الورع حقيقته لا صورته، واتركوا الحرام والشبهات، وأدوا الحقوق لأهلها، واحفظوا ألسنتكم، ولا تغلوا في الدين، فإن الدين يسر، والتقوى ميزانها العدل والحق واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
اللهم ارزقنا الورع الصادق، واجعلنا من المتقين، واهدنا سواء السبيل.



