قد أشرنا في خطبةٍ سابقة إلى ما لشهر شعبان من فضائل عظيمة على وجه العموم، وإلى فضل ليلة النصف منه على وجه الخصوص، وهي ليلة مباركة فاضلة لم يبق بيننا وبينها إلا أيام يسيرة، وقد صحّ في شأنها ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن»، وهذا الحديث يحمل في طيّاته موعظة بليغة توقظ القلوب وتنبّه النفوس، فإن الله سبحانه وتعالى مطّلع على أحوال عباده في كل وقت، لا يخفى عليه من أمرهم شيء، لا سرًّا ولا علنًا، ولا صغيرًا ولا كبيرًا، كما قال جلّ وعلا: {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض… إن الله بكل شيء عليم} [المجادلة: 7]، وليس تخصيص هذه الليلة بالاطلاع معناه أن علم الله يختص بها، وإنما هو تنبيه للعبد ليحاسب نفسه، ويتفقد قلبه، ويصلح ما بينه وبين ربّه وما بينه وبين عباده.

وقد جاء بيان هذا الاستثناء أيضًا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا» رواه مسلم، فدلّ ذلك على سعة مغفرة الله تعالى لعباده، مع استثناء من قامت به موانع عظيمة، وهما صنفان: المشرك والمشاحن؛ فالمشرك هو الذي صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى، كالدعاء أو السجود أو الذبح أو النذر أو الاستعانة أو الخوف أو الرجاء على وجه العبادة، وهذا أعظم الذنوب وأخطرها، وصاحبه إن مات عليه حُرم المغفرة واستحق الخلود في النار، كما قال تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} [المائدة: 72].

وأما المشاحن فهو صاحب الشحناء والعداوة التي تستقر في القلب، وقد بيّن أهل العلم أن الشحناء تشمل البغضاء والخصومة والقطيعة والتدابر والحقد والحسد، وهي أمراض تفسد ذات البين، وتقطع الأرحام، وتزرع العداوة بين المؤمنين، ولذلك حذّر منها النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير فقال: «دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء وهي الحالقة… لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين… أفشوا السلام بينكم» رواه الترمذي، فالشحناء تهدم الدين وتذهب بروحه وإن بقي أصله، بخلاف الشرك الذي يبطل الدين من أساسه.

ومن أعظم ما يبيّن خطورة الشحناء أن الإسلام دين اجتماع وألفة، فالصلاة شرعت جماعة، والحج عبادة قائمة على الاجتماع، والصيام فرض على الأمة في وقت واحد، والزكاة فريضة اجتماعية، وسائر الشعائر قائمة على وحدة الصف والمحبة والتآلف، فإذا غابت هذه المعاني تضررت العبادات وضعف أثرها، لأن القلوب المتباغضة لا تجتمع على طاعة، ولا تتعاون على برّ أو نصح أو دعوة، فالشرك يفسد علاقة العبد بربه، والشحناء تفسد علاقته بإخوانه المؤمنين، ومن فسدت علاقته بربه وبالناس فكيف يُرجى له تمام المغفرة؟

ولهذا عظّم الإسلام شأن سلامة الصدر، وجعلها من أجلّ خصال الإيمان، فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ الناس أفضل؟ فقال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان»، فقيل: وما مخموم القلب؟ قال: «هو النقي التقي لا إثم عليه ولا بغي ولا غل ولا حسد» صححه الألباني، والذي يظهر من مجموع النصوص أن الذنب الذي يُحجب صاحبه عن المغفرة في هذه الأوقات الفاضلة هو الشحناء نفسها إذا أصرّ عليها صاحبها، فلا تُرفع إلا بالتوبة الصادقة والمصالحة وردّ الحقوق، لأن الهجران يتضمن حقًا لله تعالى من جهة مخالفة أمره بالألفة، وحقًا للعبد من جهة القطيعة والظلم، فإذا تصالح المتهاجران وتسامحا زال المانع ورُجي لهما فضل المغفرة، أما إذا استمرا على القطيعة بقي الحجب قائمًا، وأما الذنوب الأخرى التي بين العبد وربه فقد يتوب الله منها على صاحبها بالتوبة الصادقة، وإن كان بينه وبين أخيه شحناء، لكن يبقى في حقه واجب إصلاح القلب والسعي في الصلح.

ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هجر المسلم لأخيه فوق ثلاث، فقال: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث… وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» متفق عليه، فجعل الشرع هذه المدة حدًّا لما قد يقع من غضب، ثم دعا إلى المبادرة بالصلح وقطع القطيعة، وبيّن أن الهجر يرتفع بالسلام، ومع ذلك فقد قرر أهل العلم أن الهجر قد يُستثنى في بعض الأحوال لمصلحة شرعية راجحة، كهجر العاصي إذا كان فيه زجر وتأديب، أو هجر أهل البدع والفسوق إذا كانوا يفسدون الناس، أو هجر من تُخشى مخالطته على الدين أو الدنيا، وكذلك للمظلوم أن يهجر ظالمه ويطالب بحقه وله أن يدعو عليه، ولا يدخل في وصف المشاحن، وإن كان العفو والصبر أعلى وأفضل، كما قال تعالى: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40]، وقال سبحانه: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن} [فصلت: 34]،

وخلاصة الأمر أن الهجر إنما هو علاج يُلجأ إليه بضوابطه وعند الحاجة، أما الأصل الذي ينبغي أن يسود بين المسلمين فهو سلامة الصدر وإصلاح ذات البين، رجاءَ فضل الله ومغفرته في مواسم الخير.

وأسألُ اللهَ العظيمَ ربَّ العرشِ العظيمِ أن يغفرَ لنا، وأن يطهّر قلوبَنا من الشحناءِ والبغضاء، وأن يؤلّف بين قلوبِنا، وألّا يحرمَنا مغفرتَه، وأن يوفّقَنا للصلحِ والعفو، وأن يغفرَ لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، إنّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.