من عظيم فضل الله سبحانه وتعالى، ومن واسع رحمته بعباده المؤمنين، أن يسّر لهم أبواب الخير، وفتح لهم مواسم للطاعة يتزوّدون فيها من الأعمال الصالحة، ويرتقون بها في درجات القرب منه جلّ وعلا. فجعل لهم في أيام أعمارهم نفحات ورحمة، من تعرّض لها نال الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.
 وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله «إن لربكم عز وجل في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعل أحدكم أن تصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبدًا».

ومن هذه المواسم المباركة التي يحرص عليها أهل الإيمان ويستعدون لها: شهر شعبان؛ شهر القُرّاء، وشهر رفع الأعمال إلى رب العالمين، وشهر التهيؤ والاستعداد لشهر رمضان.

إن دخول شهر شعبان محطة إيمانية عظيمة، نقف عندها لنتأمل هدي النبي ﷺ، فنجد أنه كان يوليه عناية خاصة لا نجد مثلها في غيره من الشهور. فقد سأل أسامة بن زيد رضي الله عنه النبي ﷺ عن كثرة صيامه في شعبان، فقال «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم».
ومع أن الصيام عبادة خفية، لا يطلع عليها الناس، إلا أن مواظبته ﷺ عليها في شعبان كانت لافتة للنظر، دالة على عظيم شأن هذا الشهر.

نحن اليوم على موعد مع شهر يغفل عنه كثير من الناس، كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ، إنه شهر شعبان.
فلماذا هذا الاهتمام؟ وما الدوافع التي تحث المؤمن على تعظيمه؟

الحافز الأول: أنه شهر غفلة

فكثير من الناس يعظّمون رجب لكونه من الأشهر الحرم، ويعظّمون رمضان لما فيه من الصيام والقيام والقرآن، أما شعبان فيقع بينهما فيغفل عنه كثيرون. بل إن بعض الناس يجعلونه شهر الانشغال بأمور الدنيا، وترتيب الأعمال استعدادًا لرمضان، فيتحول عندهم إلى شهر دنيوي بحت.

وهنا يظهر تميّز أهل الإيمان، إذ يعمّرون أوقات الغفلة بالطاعات، فإذا غفل الناس ذكروا الله، وإذا نام الناس قاموا، وإذا أفطر الناس صاموا. وبهذا يرفع الله قدرهم، وينالون محبته سبحانه..

كما أن الأجر يتضاعف في أوقات الغفلة والفتن، لأن العامل على الخير حينها لا يجد أعوانًا، وقد شبّه النبي ﷺ الأجر في مثل هذه الأزمنة بأجر خمسين من الصحابة رضي الله عنهم، لعظم المشقة وقلّة الناصر.

ولهذا كان للمواظبين على صلاة الفجر، وقيام الليل، وصلاة الضحى، وذكر الله في الأسواق، أجور عظيمة، لأنها عبادات تُؤدّى في مواطن يغفل عنها الناس.

الحافز الثاني: أنه شهر رفع الأعمال

شعبان هو ميقات سنوي تُرفع فيه أعمال العباد إلى الله تعالى، كما قال النبي ﷺ.
ورفع الأعمال يكون على ثلاثة أنواع:

  • رفع يومي لأعمال الليل والنهار.
  • ورفع أسبوعي يومي الاثنين والخميس.
  • ورفع سنوي في شهر شعبان.

ولهذا كان النبي ﷺ يحرص أن يكون في أكمل حال عند رفع الأعمال، فاختار الصيام؛ لأنه عبادة مستمرة، توقظ الجوارح، وتجمع معها غيرها من الطاعات، ولأن الصائم يكون متلبسًا بالعبادة في أي وقت يُرفع فيه العمل.

الحافز الثالث: نزول مغفرة الله

ففي شهر شعبان، وبالتحديد في ليلة النصف منه، يطلع الله تعالى على خلقه، فيغفر لهم إلا لمشرك أو مشاحن.
فمن نال المغفرة في شعبان دخل رمضان بقلب صافٍ، وصفحة بيضاء، وهمّة عالية، فيُوفّق للاجتهاد في الطاعات ونيل الرحمات.

الحافز الرابع: أنه خير استعداد لرمضان

فشعبان بمثابة المقدمة العملية لشهر رمضان، ومن فرّط فيه، فاته خير كثير في رمضان. وقد قال بعض السلف: رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر الحصاد. وكانوا إذا دخل شعبان تفرغوا للطاعة استعدادًا لرمضان.

ما الأعمال المستحبة في شعبان؟

أولًا: سلامة القلب
فالقلب هو محل النظر، وصلاحه أساس صلاح الأعمال كلها. وقد أكّد القرآن والسنة أن صلاح الجسد كله مرتبط بصلاح القلب.

ثانيًا: الإكثار من الصيام
وهو سنة ثابتة عن النبي ﷺ، وكان أكثر صيامه بعد رمضان في شعبان.
ومن ثمراته:

مضاعفة الأجور. الوقاية من النار.  كونه سنة قبلية لرمضان. دليل على محبة الله.  فرصة لقضاء ما فات من رمضان.       تهيئة النفس لصيام رمضان بنشاط وقوة.

ثالثًا: المحافظة على الصلوات
وخاصة الفجر، مع الحرص على الجماعة ان تيسر ذلك، والإكثار من النوافل وقيام الليل ولو بالقليل.

رابعًا: الإكثار من قراءة القرآن
حتى سُمّي شعبان بشهر القرّاء، وكان السلف يتفرغون فيه لتلاوة القرآن استعدادًا لرمضان.

خامسًا: صلة الأرحام والإصلاح بين الناس
لما في ذلك من عظيم الأجر، ونيل صلة الله، ورفع الموانع التي تحجب المغفرة، كالشحناء والبغضاء.

عباد الله،
هذا شهرٌ عظيمٌ أظلّكم، شهرٌ يغفل عنه كثير من الناس، وهو عند الله كريم، فكونوا من المنتبهين لا من الغافلين، ومن المسارعين إلى الطاعات لا من المؤجلين، وجدّدوا نياتكم، وأصلحوا قلوبكم، وتعرّضوا لنفحات الله في هذا الشهر المبارك، لعلّ الله أن يكتبكم من المقبولين.

 نسأل الله عزوجل في شهر شعبان أن يوقظ قلوبنا من الغفلة، وأن يجعلنا من الذاكرين الشاكرين، ومن المقبولين الفائزين كما نسأله تعالى ان يبلّغنا رمضان وقد صلحت قلوبنا، ورفعت أعمالنا وربنا راضٍ عنا.