من الوصايا النبوية الجامعة العظيمة التي نحن في أمسّ الحاجة إلى استحضارها في زماننا، ولا سيما في واقع المسلمين في الغرب، تلك الوصايا التي تجمع بين عمق التوجيه، وشمول المنهج، وبساطة العبارة. فهي موعظة بليغة، وتذكرة نافعة، نجدد بها العهد مع الله تعالى مع أول جمعة في هذا العام الجديد، سائلين الله عز وجل أن يكون عامًا عامرًا بذكره وطاعته، وأن نوفَّق فيه للعمل بهذه الوصايا النبوية المباركة.
روى أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
«يا رسول الله، علِّمني وأوجِز».فقال صلى الله عليه وسلم:«إذا قمتَ في صلاتك فصلِّ صلاة مودِّع، ولا تتكلم بكلام تعتذر منه، وأجمِع اليأس عما في أيدي الناس».رواه أحمد وابن ماجه بسند صحيح.
هذه الموعظة النبوية الوجيزة في ألفاظها، العميقة في معانيها، ترسم لنا منهجًا متكاملًا لإصلاح علاقة العبد بربه، وتنظيم علاقته بالناس من حوله. ويجمع هذه الوصايا الثلاث مقصد واحد، وهو إصلاح الباطن والظاهر معًا؛ فصلاح الباطن يكون بإقامة الصلاة على حقيقتها، وصلاح الظاهر يكون بسلامة اللسان، والتحرر من التعلق بالخلق، والاستغناء بالله وحده. وفيما يلي إضاءات ووقفات مع هذه الوصايا الثلاث:
أولًا: «صلِّ صلاة مودِّع»
الصلاة في الإسلام هي عماده وأساسه المتين، وهي عمود هذا الدين، ولا قيام لحياة المسلم إلا بها. والمسلمون في الغرب أحوج ما يكونون إلى مراجعة علاقتهم بالصلاة، لأنها العون الحقيقي على مواجهة التحديات، وتجاوز الابتلاءات، والثبات على الطريق المستقيم.
وقد تكرر التوجيه القرآني إلى الاستعانة بالصلاة في مواضع كثيرة، قال الله تعالى:﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾وقال سبحانه:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
وقد ورد الأمر بالعناية بالصلاة والتأكيد على مركزيتها في حياة المسلم قرابة خمسٍ وخمسين مرة في القرآن الكريم، إما بالأمر بالمحافظة عليها، أو الحث على الخشوع فيها، أو التحذير من السهو والغفلة عنها. كما جاء الأمر بإقامتها في جميع الأحوال: في السفر والحضر، في الأمن والخوف، في الصحة والمرض.
والواقع أن العطل والإجازات العامة في أوروبا، تكشف عن تقصير بعض المسلمين في أداء صلاة الجمعة، مع أنها شعار الإسلام الظاهر، وشعيرة عظيمة، وتمثل أهم وجبة روحية وثقافية واجتماعية للمسلم خلال الأسبوع. فنحن نفرح حين نرى المساجد تمتلئ بالمصلين في أيام العطل، لكننا في الوقت نفسه نتوجه برسالة محبة وشفقة لكل مسلم شهد الجمعة، أن يجاهد نفسه مستعينًا بالله على المحافظة على صلاة الجمعة والجماعة قدر استطاعته، وأن يضحي في سبيل هذا المقصد بما يقدر عليه، حتى لا يقع تحت الوعيد النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم:«من ترك الجمعة ثلاثًا تهاونًا طبع الله على قلبه»
رواه أبو داود والترمذي وأحمد بسند صحيح.
وليس توجيه النبي صلى الله عليه وسلم مقتصرًا على مجرد أداء الصلاة أو المواظبة عليها، بل يرشدنا إلى تفعيل أثرها في حياتنا، وتحقيق مقاصدها، وذلك بأن نصلي صلاة مودِّع، أي نصلي وكأنها آخر صلاة نصليها في حياتنا. وهذه وصية نفتقر إليها كثيرًا؛ إذ يدخل كثير منا الصلاة وقلوبهم معلقة بأمور الدنيا وزخارفها، فلا ينتفع القلب بالصلاة كما ينبغي، ويقلّ أن نستشعر ذلك الشعور النبوي العميق حين قال:
«وجُعلت قرة عيني في الصلاة»، وقال: «أرحنا بها يا بلال».
إن صلاة المودِّع من أعظم وسائل تحقيق الخشوع، لكنها تحتاج إلى صبر، ومجاهدة، واستمرار. وتأملوا في مجاهدة الإمام ثابت البناني رحمه الله حين قال: «جاهدت نفسي على الصلاة عشرين سنة، ثم تلذذت بها عشرين سنة، ووالله إني لأدخل في الصلاة وأنا أحمل همَّ خروجي منها».
ثانيًا: «ولا تتكلم بكلام تعتذر منه»
هذه وصية عظيمة بحفظ اللسان، وصيانته من الكذب واللغو والقول الجارح؛ لأن الكلام الذي يجرّك إلى الاعتذار دليل على تقصير أو خطأ. وأفضل من الاعتذار أن يتجنب الإنسان ما يوجب الاعتذار، وأفضل من التوبة مجاهدة النفس قبل الوقوع في المعصية.
وفي زمننا، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي من أخطر منزلقات اللسان والقلم، حيث كثرة النشر، وسرعة التعليق، وسهولة الخطأ، مما يؤدي إلى تكدير العلاقات، وإفساد القلوب، ثم الاضطرار إلى الاعتذار، أو التكبر عن الاعتذار.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من آفات اللسان تحذيرًا شديدًا، فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه.
وخصَّ النبي صلى الله عليه وسلم اللسان بالذكر في هذه الوصية لأنه قائد الجوارح، وصلاحه من صلاحها، وفساده من فسادها. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفِّر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك؛ فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» رواه الترمذي وأحمد بسند حسن.
ومعنى «تكفِّر اللسان» أي تتذلل له وتناشده أن يتقي الله، لأن استقامة الجوارح معلقة باستقامته. وهذا الحديث دعوة صريحة إلى محاسبة النفس قبل الكلام أو الفعل أو التقصير، حتى لا يكثر الإنسان من الاعتذار، سواء في حق والديه، أو في عباداته، أو في واجباته الاجتماعية، فإن العمل بالوصية النبوية يدفع إلى المبادرة، ويقلل التقصير، ويخفف الحاجة إلى الاعتذار.
ثالثًا: «وأجمِع اليأس عما في أيدي الناس»
أي اجعل اعتمادك وتوكلك وسؤالك على الله وحده، واستغنِ بالله عن الخلق، فإن الله كافٍ عباده. قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
ومن صدق توكله على الله أغناه الله عن الناس، والوصية الثالثة هي ثمرة للأولى والثانية؛ فمتى صلحت صلتك بالله في الصلاة، واستقام لسانك، قوي توكلك، وزال تعلقك بالخلق. وليس المقصود قطع التعامل مع الناس أو الامتناع عن طلب المساعدة عند الحاجة، وإنما المقصود عدم التعلق بالناس، ونسيان التوكل على الله وسؤاله أولًا.
ختامًا
لا ينبغي أن ننسى إخواننا المسلمين في كل مكان، وخاصة أهلنا في غزة وفلسطين، الذين يعانون شدة البرد والمطر، وقلة الغذاء والدواء. وعلينا أن نرفع أكف الضراعة إلى الله، وندعو لهم بدعاء سيدنا أويس القرني رضي الله عنه حين قال، لما عجز عن مساعدة بعض أصحاب الحاجات: «اللهم إني أبرأ إليك من كل كبد جائعة، ومن كل بدن عار، اللهم إني لا أملك إلا ما ترى».
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعل صلاتنا قرة أعيننا،واحفظ ألسنتنا من الزلل،
واجعل قلوبنا متعلقة بك وحدك.



