نعيش هذه الأيام ذكرى الإسراء والمعراج، التي كانت – بحسب بعض آراء أهل العلم – في السابع والعشرين من شهر رجب، ذكرى عظيمة تتجدد معها معاني الإيمان، وتستحضر فيها القلوب دروسًا خالدة وعبرًا لا تنتهي.
ها هي نفحات الإسراء تهبُّ على القلوب من جديد، فتحرّك فيها أشواق الإيمان، وتوقظ في الأرواح حنينها إلى صاحب الذكرى، صلى الله عليه وسلم، وها هي أنسام المعراج تلامس القلوب فتسمو بها في مدارج القرب من الله، وترتقي بها في آفاق اليقين والرجاء.
إن ذكرى الإسراء والمعراج لا تمرّ علينا حدثًا تاريخيًا يُستعاد، بل رسالةً حيّة تجمع بين الألم والأمل؛ ألمِ واقعٍ تراجع فيه المسلمون عن أسباب التمكين، وأملٍ يتجدد بأن في هذا الدين من النور والهداية ما يعيد للأمة مكانتها ودورها.
فلنقف مع هذه الذكرى وقفة المتدبر المستلهم، نلتقط بعض العِبر، ونرتشف من معين الهداية قطراتٍ تضيء لنا الطريق، فالإسراء والمعراج رسائل لا تنتهي.
الرسالة الأولى: أملٌ يتجدّد في زمن الانكسار
فإنّ في قلب كلِّ محنةٍ منحة.. وبعد كل شدة فرج.. ومع كل عسرٍ يسر.. وما بعد الليل الحالك إلا فجرٌ صادق يمحو كل ظلمة.
فها هي قريش قد سدت الطريق في وجه الدعوة في مكة، وأحكمت الحصار ضدّ الدعوة ورجالاتها من كل جانب، وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم في خطر بعد وفاة عمه أبي طالب، وزوجته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، فيتوجه إلى الطائف فلا يجدُ من أهلها إلا الصدود والأذى، والرمي بالحجارة، وإغراء السفهاء والصبيان به لإيذائه صلى الله عليه وسلم، وأمام كل هذا الجو الباعث على اليأس والإحباط، وقد سدت الأبواب، وضاقت الأرض بما رحبت، ومع ذلك يعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقة بربه لا تتزعزع، ويقيناً لا يلين، فها هو زيدٌ رضيَ الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم عندما رآه قد عزم على العودة إلى مكة بعدما أصابه في الطائف: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟
فيأتي الجواب من الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام: يا زيد إن الله جاعلٌ لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن الله ناصرٌ دينه، ومظهرٌ نبيه،
جاءت رحلةُ الإسراء والمعراج على قَدَرٍ من رب العالمين، رحلة تكريم واصطفاء، فإن جفاك أهل الأرض، فها هي السماء بك تحتفي، وإن قلاك الخلق فها هو رب الخلائق إياك يصطفي.. فهو السميع لدعائك ومناجاتك والبصيرُ بحالك وآلامك..
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} سورة الإسراء: آية 1
فهي الرسالة إلى كل مسلم ومؤمن.. إذا تكالبت عليك المحن، وادلهمت الخطوب، وقلَّ الصديق، وكثر العدو، وجفاكَ القريب، وتخلى عنك الخلق، فاهتف في الأسحار: يا الله.. وكن على يقين بالفرج والنصر والتمكين.
الرسالة الثانية: أنتم حملة الريادة… فلمَ التخلّي؟
عندما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنبياء إماماً، حيث جاء في حديث الإسراء: “فلمّا حانت الصلاة أممتهم”، وإن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إماماً بالأنبياء فيها رسالة مهمة، وهي أن الأنبياء جميعاً قد سلّموا قيادة البشرية وتدبير أمورها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقٌّ على أتباعه صلى الله عليه وسلم أن يحملوا هذه الراية من بعده، وأن يكونوا هم أهلَ الريادة والقيادة لزمام البشرية، وإن المنهج الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم هو منهج إسعاد البشرية ونقلها من الظلمات إلى النور، أمَا قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وما جعلنا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} سورة البقرة آية 143، فلا والله ما شقيت البشرية إلاّ حين تخلّى المسلمون عن دورهم وأسلموا الزمام لمن لا يقيم للإنسانية وزناً، ولا يعرف إلاّ لغة الدمار والقتل.
الرسالة الثالثة: المسجد الأقصى والمسجد الحرام… قضية واحدة
ففي قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى…} ربطٌ بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهنا لا بدّ من وقفات:
الوقفة الأولى: إنّ الربط يُشعر بأنّ التهديد للمسجد الأقصى تهديدٌ للمسجد الحرام وأهله، وإنّ النيلَ من المسجد الأقصى توطئة ٌ للنيل من المسجد الحرام،
فها هي الرسالة غدت واضحةً لكلّ مسلمٍ بأنّ من فرّط في المسجد الأقصى يسهل عليه التفريط في المسجد الحرام،
الوقفة الثانية: إنّ الربط بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام يشعر المسلمين بمسؤوليتهم تجاه المسجد الأقصى وأهميته بالنسبة لهم، فهو مسرى نبيّهم وقبلتهم الأولى، فمسؤوليتهم نحوه هي مسؤولية تحريره من أيدي الغاصبين،
فها هي ميمونة رضيَ الله عنها تسأل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس. قال: “أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه”. قالت: يا رسول اللّه، أرأيت إن لم نطق محملاً إليه؟ قال: “فليهد له زيتًا يسرج فيه، من أهدى إليه شيئًا كان كمن صلى فيه”.
الرسالة الرابعة: العبودية… طريق التحرير
وصف الله نبيه ﷺ بالعبودية في آية الإسراء، كما وصف جنوده الصالحين الذين دخلوا بيت المقدس أول مرة بأنهم عباد لله.
فالتحرير لا يكون إلا بعودة صادقة إلى الله، عبوديةً خالصة، وطاعةً واعية، وتربيةً إيمانيةً تصنع رجالًا لا يركعون إلا لله.
وفي الختام، فإن ذكرى الإسراء والمعراج ليست مجرد حادثةٍ عابرة في سجلّ التاريخ، ولا قصةً تُروى للتبرك فحسب، بل هي منهج حياة، ورسالة أمل، ودعوة يقين، وطريق نهوض. هي تذكيرٌ للأمة بأن بعد العسر يسرًا، وبعد الانكسار تمكينًا، وأن من صدق مع الله صدق الله معه.
إن الإسراء والمعراج يعلّمانا أن النصر يبدأ من القلوب، وأن الطريق إلى السماء يمرّ أولًا عبر المسجد الأقصى، وأن العبودية الصادقة لله هي مفتاح العزة والتحرير، وأن الأمة التي تعود إلى ربها تعود إلى مكانتها بين الأمم.
فلنجدّد العهد مع الله، ولنُحْيِ في قلوبنا معاني الإيمان والثبات، ولنحمل همّ أقصانا وعزّة ديننا، يقينًا لا يتزعزع بأن فجر الأمة آتٍ لا محالة، وأن وعد الله حق، وأن النصر صبر ساعة.
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}
نسأل الله عز وجل في هذه الذكرى المباركة أن يجعل الإسراء والمعراج نورًا في قلوبنا، وإيمانًا ثابتًا.



