روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قام على المنبر فقال: «إنما أخشى عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من بركات الأرض»، ثم ذكر زهرة الدنيا، فبدأ بإحداهما وثنّى بالأخرى. فقام رجل فقال: يا رسول الله، أويأتي الخير بالشر؟ فسكت النبي ﷺ، حتى ظنّ الناس أنه يُوحى إليه، وسكن المجلس كأن على رؤوسهم الطير. ثم مسح ﷺ عن وجهه العرق وقال: «أين السائل آنفًا؟ أوخيرٌ هو؟» كررها ثلاثًا، ثم قال: «إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن كل ما يُنبت الربيع يقتل حبطًا أو يُلمّ، إلا آكلة الخضر، كلما أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت، وإن هذا المال خضرة حلوة، ونِعم صاحب المسلم لمن أخذه بحقه فجعلَه في سبيل الله، واليتامى، والمساكين، ومن لم يأخذه بحقه فهو كالآكل الذي لا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة».
وفي رواية الإمام مسلم رحمه الله أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: «لا والله ما أخشى عليكم أيها الناس إلا ما يُخرج الله لكم من زهرة الدنيا». فقال رجل: يا رسول الله، أويأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله ﷺ ساعة، ثم قال: «كيف قلت؟» فأعاد الرجل سؤاله، فقال ﷺ: «إن الخير لا يأتي إلا بخير، أوخير هو. إن كل ما يُنبت الربيع يقتل حبطًا أو يُلمّ، إلا آكلة الخضر، أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس، ثلطت أو بالت، ثم اجترّت، فعادت فأكلت. فمن يأخذ مالًا بحقه يُبارك له فيه، ومن يأخذ مالًا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع».
إن من حكمة الله تعالى وقضائه أن جعل الدنيا دار ابتلاء واختبار، يفتن بها عباده، فمن الناس من يغتر بزخرفها وزينتها، ويتنافس عليها، ويجعلها غاية همه ومنتهى قصده، ومنهم من عرف حقيقتها، فأعرض عنها وزهد فيها، وجعلها وسيلةً لا غاية، وجسرًا يعبر به إلى رضوان الله ونعيم الآخرة. وفي هذا الحديث الشريف تحذير بليغ من النبي ﷺ لأمته من فتنة الدنيا وشهواتها، حين قال: «إنما أخشى عليكم ما يُفتح عليكم من بركات الأرض».
فلما سُئل ﷺ: أويأتي الخير بالشر؟ كان جوابه قاعدة عظيمة من قواعد الفهم والميزان في الحياة، إذ قال: «إن الخير لا يأتي إلا بالخير». أي أن الخير المحض الخالص، كالإيمان والطاعة والإسلام، لا يثمر إلا خيرًا في الدنيا والآخرة. أما ما يُظن خيرًا من متاع الدنيا، كالمال والجاه، فليس خيرًا خالصًا في ذاته، بل قد ينقلب شرًا ووبالًا إذا أُخذ من غير حقه، أو صُرف في غير وجهه.
ثم ضرب النبي ﷺ لذلك مثلًا حسيًّا بديعًا، فقال: «إن كل ما يُنبت الربيع يقتل حبطًا أو يُلمّ»، فالربيع موسم الخصب والنماء، وتُقبل الدواب على نباته بشهوة، فتُفرط في الأكل حتى تصاب بالحبط، وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل، وقد يؤدي بها إلى الهلاك أو يقاربها منه. وهذا مثل لمن أقبل على الدنيا بشراهة، وجمع المال من كل وجه، ولم يراعِ حلالًا ولا حرامًا، فكان ما جمعه سبب هلاكه في الدنيا والآخرة.
واستثنى النبي ﷺ «آكلة الخضر»، وهي الدابة التي تأكل من الكلأ الأخضر الغض، فتأخذ بقدر حاجتها، شيئًا فشيئًا، حتى تمتلئ معدتها امتلاءً معتدلًا، ثم تستقبل الشمس، فتقضي حاجتها، ويخرج فضل ما أكلت بسهولة، فيبقى لها نفع الغذاء، وتزول عنها المضرة. وهذا مثل للمقتصد في أمر الدنيا، الذي يأخذ المال من حِلِّه، وينفقه في حقه، فلا يضره المال، بل يكون عونًا له على طاعة الله.
ثم بيّن ﷺ أن المال محبوب إلى النفوس، تميل إليه بطبعها، فقال: «إن هذا المال خضرة حلوة»، فمن أخذه بحقه، وأدى زكاته، وأنفقه في سبيل الله، وعلى اليتامى والمساكين وابن السبيل، كان المال نعم الصاحب له، يشهد له يوم القيامة. وأما من أخذه بغير حقه، أو أمسكه عن حق الله وحقوق العباد، نُزعت منه البركة، وسُلب القناعة، فصار فقير النفس، لا يشبع مهما جمع، وكان ماله عليه شاهدًا يوم القيامة.
بهذين المثلين بيّن النبي ﷺ حالين لا ثالث لهما: حال المستكثر من الدنيا، المنهمك في جمعها، الذي تهلكه زهرتها، وحال المقتصد المعتدل، الذي ينتفع بالدنيا ولا تضرّه. فالأول كالمبطون المتخم، الذي يكون هلاكه فيما استلذه، والثاني كآكلة الخضر، التي سلمت فانتفعت.
ويقرر النبي ﷺ في ختام هذا التوجيه العظيم أن الخير إذا أُخذ بحقّه وأُنفِق في حقه، لا يأتي إلا بخير، أما إذا استُعمل في غير حقه، انقلب شرًا على صاحبه، مصداقًا لقوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}، وقوله سبحانه: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}.
ومن أعظم ما يرشد إليه هذا الحديث: التحذير من فتنة المال، والنهي عن الكسب الحرام، والحث على الاعتدال في الإنفاق، وإخراج الحقوق الواجبة، والبعد عن الإسراف والتبذير، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}.
قال ابن القيم: «ما أخذ العبد ما حرم عليه إلا من جهتين: إحداهما سوء ظنه بربه، وأنه لو أطاعه وآثره لم يعطه خيراً منه حلالاً، والثانية أن يكون عالماً بذلك وأن من ترك لله شيئاً أعاضه خيراً منه، ولكن تغلب شهوته صبره وهواه عقله، فالأول من ضعف علمه والثاني من ضعف عقله وبصيرته».
وفي ذلك كله دعوة صادقة إلى الزهد فيما لا ينفع، والقناعة بما يكفي، والسعي إلى خيرٍ لا يأتي إلا بخير، في الدنيا والآخرة.
فنسأل الله أن يجعل أموالنا عونًا على طاعته، لا سببًا في هلاكنا، وأن يرزقنا الفقه في الدين، وحسن البصيرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.



