د. اسامة الديري (خطبة الجمعة 2021/12/10)

لو تمعن المسلم في قوله صلى الله عليه وسلم (يتبع الميت ثلاث ماله و ولده وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد فقط هو عمله) وقوله (اذا مات الانسان انقطع عمله الا من ثلاث صدقه جاريه وولد صالح يدعوا له وعلم ينتفع به)يجد ان بعض المواقف تجعلك تتيقن بأن الحياة ليست بحاجة إلى سيارات فارهة ولا ثروات طائلة ولا عمائر شاهقة لتستمر فيها بقدر ما هي بحاجة إلى القليل من الماء لنبقى على قيدها إحياء..ومع ذلك جعل الله عليك كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون، وجعل جوارحك تسجِّل عليك كل ما تفعله وتنطق به يوم الدين:

“وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا الله الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ” .

فعندما يعرف الإنسان ذلك ويتأكد من ذلك يقي نفسه وأهله من المهالك.واعلم انه عندما تموت أن الدنيا لن تحزن عليك … وحركة العالم ستستمر … وظيفتك يأخذها غيرك ! وأموالك ستذهب للورثة ..وانت ستحاسب عليها … أول ما يسقط عنك عند موتك هو ، “اسمك” لذلك سيقولون : أين الجثة ؟!وعندما يريدون الصلاة عليك سيقولون : احضروا “الجنازة”  وعندما يشرعون بدفنك ، سيقولون قربوا الميت ، ولن يذكروا اسمك … !

 ذلك لا يغرك : مالك ، ونسبك  او منصبك ، وأولادك فما أتفه هذه الدنيا ، وماأعظم مانحن مقبلون عليه فيا أيها الحي الآن … اعلم أن الحزن عليك سيكون على ثلاثة أنواع

 :

 الناس الذين يعرفونك سطحيًا سيقولون : مسكين ، الله يرحمه –

 أصدقاؤك ، سيحزنون ساعات ، أو أيامًا ، ثم يعودون إلى حديثهم ، بل وضحكهم –

الحزن العميق في البيت …!سيحزن أهلك أسبوعا أسبوعين . شهرا … شهرين ، أو حتى سنة –

وبعدها يضعونك في أرشيف الذكريات

انتهت قصتك بين الناس ، وبدأت قصتك الحقيقية … وهي الآخرة …لقد زال عنك. الجمال . والمال والصحة والولد  فارقت الدور والقصور والزوج ولم يبق معك إلا عملك ! والسؤال هنا :

ماذا أعددت لقبرك وآخرتك من الآن ؟! هذه حقيقة تحتاج إلى تأمل … لذلك احرص على :

الفرائض و النوافل وصدقة السر والعمل صالح وصلاة الليل و حسن الخلق لعلك تنجو .{ وذكّر فإن الذكرى تنفعُ المؤمنين }•

لماذا يختار الميت “ الصدقة ” لو رجع للدنيا ، كما قال تعالى :

*{ رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق }ولم يقل :لأصلي !أو لأصوم !أو أحج وأعتمر !

قال العلماء :ما ذكر الميت الصدقة إلا لعظيم مارأى من أثرها بعد موته ! فأكثروا من الصدقة … !ومن أفضل ما تتصدق فالكلمة الطيبة صدقة

إن ضعفت عن فعل الخير فأمسك عن الشر وإن ضعفت عن نفع الناس فلا تضرهم وإن ضعفت عن الصوم فلا تأكل لحوم البشر .

ابتسم … فرزقك مقسوم وقدرك محسوم….وأحوال الدنيا لا تستحق الهموم..لأنها بين يدي الحي القيوم ابتسم : عندما تجلس مع عائلتك ..فهناك من يتمنى عائلة ..ابتسم : عندما تذهب إلى عملك ..فالكثير ما زال يبحث عن وظيفة..

ابتسم : لأنك بصحة وعافية  فهناك من المرضى من يتمنى أن  يشتريها بأغلى الأثمان ..ابتسم : لأنك حي ترزق

نـام إبراهيم ابن الرسول صلى الله عليه وسلم في حضن أمه مارية ، وكان عمره ستة عشر شهراً، والموت يرفرف بأجنحته عليه ، والرسول عليه الصلاة والسلام ينظر إليه ويقول له :

يا إبراهيم أنا لا أملك لك من الله شيئاً ..! ومات إبراهيم وهو آخر أولاده ، فحمله الأب الرحيم ووضعهُ تحت أطباق التراب

فنظر الرسول عليه الصلاة والسلام خلفهُ ، فسمع عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، يُنهنه بقلب صديع .. فقال له :ما يبكيك يا عمر ؟فقال عمر ، رضي الله عنه ، :يا رسول الله !إبنك لم يبلغ الحلم ..ولم يجر عليه القلم ..

وليس في حاجة إلى تلقين ..

فماذا يفعل ابن الخطاب ؟!

وقد بلغ الحلم .. وجرى عليه القلم ..ولا يجد ملقناً مثلك يا رسول الله ؟!! 

وإذا بالإجابة تنزل من رب العالمين جل جلاله بقوله تعالى رداً على سؤال عمر : 

” يُثَبِّتُ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرة وَيُضِلُّ اللَّـهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّـهُ مَا يَشَاءُ”

اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة