د. أسامة الديري (خطبة الجمعة 2021/11/12)

الأسرة نواة المجتمع ، إذا صلحت صلح المجتمع وإذا فسدت فسد المجتمع. لذا أحاطها الإسلام بالعناية والرعاية، وشرع من القوانين والأحكام ما يضمن سلامتها وقوامها. فكلما سارت الأسرة مهتدية بهذه الأحكام  والتوجيهات سعدت واطمأنت  ، و الأسرة نقطة ارتكاز الأمة ، ومصدر قوتها وأصالتها.

ولعل سورة النساء من أهم السور القرآنية التي اهتمت بقضايا الأسرة، وذلك بما اشتملت عليه من توجيهات وقوانين منظمة للعلاقات بين أفرادها.

 ونحن إذا رجعنا إلى ما قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وقارناه بعصر النبوة علمنا القفزة الهائلة والسمو الأخلاقي الذي عرفته الأسرة. فبعدما كان المجتمع تؤكل فيه حقوق الأيتام _ وبخاصة اليتيمات _ ويجار فيه على الصغار والصغيرات والنساء، 

إذا أضفنا إلى ذلك فوضى العلاقات الجنسية والعائلية، حيث شاعت اتصالات السفاح والمخادنة. عرفنا حقا الحضيض الذي كانت تعيشه الأسرة  قبل الإسلام  وعرفنا في المقابل ما فعلته التعاليم الإسلامية في النفوس لترتفع بها إلى تلك القمة التي لم تبلغها البشرية قط. 

يقول الله تعالى في بداية سورة النساء: { يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}.

الإشارة الأولى:

قوله تعاالى: {يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة}.

فالناس _كل الناس _ خلقوا من نفس واحدة، فهم بدءا  مخلوقين، لم يأتوا لهذه الدنيا بإرادتهم . بل هناك إرادة أخرى قررت ذلك، وهي أعلم بهم، وأعلم بما يصلح شأنهم . فوجب اتباع منهجها وطريقها . فالرب واحد والخالق واحد، خلقهم من نفس واحدة_ آدم عليه السلام_ حتى تكون العناصر المشتركة بين الناس، بين الرجل والمرأة، بين الزوج والزوجة، بين الأب والأم والأولاد، عامل قوة لتوحد المجتمع والأسرة. وما يتميز به شخص عن آخر وجنس عن آخر ومجتمع عن آخر، عامل رحمة به يقع التكامل والتكافل والتعاون بين الأفراد والمجتمعات.

الإشارة الثانية :

قوله تعالى: {وخلق منها زوجها}

جاء في تفسير الطبري: يعني حواء التي خلقت من ضلع من أضلاعه_أي آدم_ ليسكن إليها.

فالمرأة حواء ، خلقت من ضلع الرجل آدم ، ولو شاء الله عز وجل لخلقها ابتداء (كن فيكون)،

ولكنها الحكمة الإلهية التي يجب أن يتدبرها الرجل والمرأة على السواء ليعلموا أن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، فيأنس كل منهما للآخر ويكمل كل منهما نصفه الآخر.

الإشارة الثالثة :

الزواج هو الأساس الذي تبنى عليه الأسرة كما أشارت إلى ذلك الآية السابقة، فقد رغب الإسلام في الزواج وحث عليه، وجعله عبادة يثاب عليها المؤمن ويؤجر، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (وفي بضع أحدكم صدقة) ..

 فالإسلام دين الفطرة السوية، ضبط الغرائز البشرية ونظم الغريزة الجنسية، فلم يقيدها التقييد الذي يبيد البشرية، ولم يطلق لها العنان لتحول البشر إلى حيوانات. بل أباح الزواج وأعان عليه بكل جهده، وبنى للغريزة الجنسية السلوك الوحيد النافع للبشرية : وهو الزواج الشرعي الذي يثبت الواقع والعلم يوما بعد يوم أنه الإطار الوحيد الذي يضمن قضاء الغريزة الجنسية بعيدا عن الخوف والقلق والاضطرابات والأمراض المميتة. 

الإشارة الرابعة:

قوله تعالى:{ وبث منهما رجالا كثيرا ونساء}

أي خلق من آدم وحواء – الزوج والزوجة-  بقية البشر، فالأسرة إذن  هي قاعدة البشرية، وقد شاءت الحكمة الربانية أن تبدأ هذه البشرية من زوج وزوجة إشارة من جهة إلى قيمة الزواج الشرعي ، ومن جهة أخرى إلى أن الأسرة والاجتماع هو الأساس وليس الأنانية وانفراد كل جنس عن الآخر . ولو شاء الله لخلق- في أول النشأة-   رجالا كثيرا ونساء، وزوجهم فكانوا أسرا شتى من أول الطريقة، لا رحم بينهم من مبدأ الأمر. ولكن حكمته عز وجل قضت بأن يضاعف الوشائج،  فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى هما من نفس واحدة وطبيعة واحدة وفطرة واحدة. ومن هذه الأسرة الأولى ينشأ بقية الخلق.

الإشارة الخامسة :

قوله تعالى:{واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيب{“

لعلماء التفسير في كلمة (والأرحام) أقوال تؤكد كلها القيمة الكبرى لذوي الرحم في الإسلام، والله إذا أقسم بشيء من مخلوقاته إنما يفعل ذلك لإظهار عظمة ذلك المخلوق خاصة، كي نتفكر فيه ونهتم به ونوليه العناية التي تليق به. قال الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه عبد الرحمن بن عوف عن الرسول صلى الله عليه وسلم : ((أنا الله الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي ، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته<(أخرجه الترمدي).

هذه قيمة الأسرة في الإسلام من خلال آية واحدة فقط في كتاب الله عز وجل ، تبين لنا بالملموس الذي لا شك فيه أنها مكانة عظيمة ومقدسة.

ويكفينا دلالة على المكانة العظيمة للأسرة في هذه الآية الكريمة ، أن هذه الإشارات التي وقفنا عندها جاءت بين (تقويين) أي أمرين بالتقوى: حيث بدأت الآية بقوله تعالى: {يأيها الناس اتقوا ربكم} وختمت بقوله: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام}.