د. أسامة الديري {خطبة الجمعة 2021/10/8}

رشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى خصلتين إن التزمهما المُسلم انتظمت حياته، واطمأنت نفسه، واعتدلت طباعه، ونال خيراً ومحبة من الله تعالى في الدنيا ورفعة في الدرجة والمنزلة في الآخرة، وهما صفتا (الحِلم، والأناة)، وتعنيان ضبط النفس عند الغضب والتروي في معالجة الأمور بحكمة وفطنة، فمن قاس الأمور وتأنى في قوله وفعله، نجى من ندم الطيش والتهور، وقد قال بعض الحكماء: “إياك والعجلة! فإن العرب تكنيها أم الندامة؛ لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكر، ويقطع قبل أن يقدر، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم قبل أن يَخْبُر، ولن يصحب هذه الصفة أحد إلا صحب الندامة، واعتزل السلامة”.

لذلك يقول الإمام علي رضي الله عنه: “ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك”.

 وقد وصف الله تعالى ذاته العليّة بصفة الحِلم، ومدح نفسه بالرفق، فمن أسماء الله تعالى الحسنى الحليم قال الله تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. 

فأعظم الأخلاق أن يتصف المسلم بمقتضى أسماء الله الحسنى وصفاته، وهما من صفات الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، فقد وصف الله تعالى، سيدنا إبراهيم عليه ــ الصلاة والسلام ــــ بالحلم، قال الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} . وبشره الله تعالى بغلام حليم فقال الله تعالى: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ}. وقد تجلّت هاتان الخصلتان العظيمتان في خلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله تعالى رحمة للعالمين، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم غاية في الحلم والاناة والعفو امتثالاً لقول الله تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)، فالسنة النبوية حافلة بمواقف النبي صلى الله عليه وسلم بالحلم والاناة ومن تلك المواقف قصة الأعرابي، روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :”كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى عاتق رقبة رسول الله صلى الله عليه قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء”  متفق عليه.

ولا يعني التخلق بالحِلم والأناة أنه دليل ضعف في الشخصية، بل هو دليل حكمة وفطنة،  وبهما يصل الإنسان الى غاياته ويحقق نتائجه بسلم وأمان، لذلك وجهّنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى تعلم الحِلم والصبر وتدريب النفس عليهما لما فيهما من نفع وخير على النفس والمجتمع، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله تعالى عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ» .

عباد الله: لقد حثّنا الله تعالى على التأني في الأمور وعدم الاستعجال في إطلاق الأحكام: يقول تعالى: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ) ، فكم من نزاعات حصلت وأُسر تفككت، وارواح أزهقت، بسبب الاستعجال في إطلاق الأحكام دون دليل أو برهان، فالإنسان العجول قد تؤدي عجلته إلى الرعونة في التصرف، ويبدد طاقته سريعاً فلا يدرك مقصوده وغايته.

وكم وقعت خلافات وخصومات بين المسلمين بسبب التسرع في إطلاق الأحكام على الناس وذمّهم بلا دليل ولا برهان، ورميهم بالضلال والابتداع وإنما باتباع الظنّ والهوى، لذلك أمرنا الله تعالى في كتابه الحكيم بالتثبت والتيقن قبل إطلاق الأحكام، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، فعداوة الناس بسبب الشبهات أمر مخالف لمنهج الإسلام المعتدل وشريعته، واتهام المسلمين بالبدعة دون دليل أو برهان أو بسبب مسائل فقهية اختلف فيها العلماء يؤدي إلى نشر العداوة والبغضاء.

والأصل في المسلم أن يلتزم منهج الله تعالى في إحسان الظنّ بإخوانه والعفو عن المذنبين، والإعراض عن الجاهلين، والاستعاذة من نزغات الشياطين التي تلقي العداوة والبغضاء بين المسلمين، حتى يكون بذلك قد استوعب مكارم الأخلاق، يقول تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ، وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).