د. أسامة الديري (خطبة الجمعة 2021/9/24)

جاء الإسلام ليرتقي بالإنسان فكريا ونفسيا وجسديا ويعلي من شأنه ويقر مبادئ كرامته الإنسانية وإن من تكريم الاسلام للإنسان أن جعله حرا وحرره من الوان الرق والعبودية قال تعالى: (ولقد كرمنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا الإسراء) ، وقد فضله الله عز وجل على سائر المخلوقات تكريما له وتشريفا، وحرره من قيد العبودية بكافة صورها، ودعا إلى تحرير عقله من الخرافات والأساطير والأوهام، وقد أمرنا الله تعالى أن نستعمل عقولنا في النظر والتفكر في السموات والأرض قال تعالى (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) ، ومن بديع إعجاز القرآن الكريم أن ربط بين عدم الإكراه في الدين ووضوح الرشد المؤدي إلى التمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، قال تعالى.(لا إكراة في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) 

ومن دلائل فضل الحرية، وسمو مكانتها هجرة الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة لينالوا الحرية، وما قامت دولة النبي في المدينة المنورة إلا لتكفل الحرية للمسلمين، ولتساوي بين الناس على أساس الأخوة 

الإنسانية، فكلنا من أدم، وأدم من تراب. 

لقد قامت دعوة الدولة النبوية لتحقيق التكاتف والتالف بين أبناء المجتمع، وقد لخص سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحرية الحقة في قولته المشهورة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!” 

عباد الله: 

إن الحرية في الإسلام هي حرية العدل والإنصاف التي تتبع منهج الله (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) ، وهي الحرية التي تدعو للخير دون إفراط او تفريط او تضييق، وتتميز الحرية في الاسلام انها تسير ضمن ضوابط ينظمها منهج واضح، فلم يجعلها حرية منفلته تعتدي على حقوق الآخرين وكرامتهم، وتعيث في الأرض فسادا انجرارا نحو إشباع الشهوات والغرائز فيتحول المجتمع إلى قانون الغاب الذي تشيع فيه الفوضى ، وهذا النوع من الحرية لا تقبله ثقافة أو مجتمع على وجه الأرض، قال تعالى: 

(ومن الناس من يعجبك قولة في الحياة الدنيا ويشهد الله غلى ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) ، فوضع الإسلام أسسا لهذه الحرية بما يضمن عدم الخروج على تعاليم شريعة الإسلام السمحة وعدم الاعتداء على حقوق الآخرين والحفاظ على الأخلاق والأعراف الصالحة السائدة في المجتمع، وقوانين المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، وعدم إثارة الفتن والنزاعات بين أفراد المجتمع ،إن مفهوم الحرية في الإسلام لا يقتصر على عدم الإضرار بالآخرين فحسب، بل هي حرية يتعدى نفعها من الفرد إلى المجتمع، داعية إلى الخير 

على أساس الاحسان للفرد والمجتمع وحمايتة، لتبقى هذه القيمة ضامنة لتوازن المجتمع، لا تسمح لأحد بالنيل من ذوق المجتمع وأخلاقه الصالحة ، بل كل مسلم هو رقيب على ذاته ناصح لإخوانه بالمعروف، يقول تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهؤن عن المنكر وتؤمنون بالله) . 

اللهم احفظنا واحفظ اولادنا…اللهم احفظ هذا البلد من الوباء والبلاء والفتن والشرور.