نقف اليوم مع توجيه رباني خالد، أنزله الله سبحانه وتعالى على قلب نبيه صلى الله عليه وسلم، ليكون منهجًا تربويًا لكل مؤمن، وتشتد الحاجة إليه في زمن الغربة، وفي مجتمعات غلبت عليها الماديات وكثرت فيها الفتن.

قال الله تعالى:﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.

أيها المسلمون،

إن قوله تعالى: ﴿واصبر نفسك﴾ أي الزمها، وثبتها، وجاهدها على ملازمة أهل الإيمان. ولم يأمر الله نبيه بالصبر على بلاء، وإنما بالصبر على صحبة الصالحين؛ لأن الثبات على الحق يحتاج إلى مجاهدة.

ومن هم هؤلاء؟ إنهم قوم عمرت قلوبهم بالإيمان، وألسنتهم بذكر الرحمن، لا يريدون مالًا ولا جاهًا، وإنما يريدون وجه الله.

وقد نزلت هذه الآية عندما طلب بعض سادة قريش من النبي صلى الله عليه وسلم أن يخصهم بمجلس بعيد عن فقراء الصحابة كبلال وصهيب وخباب رضي الله عنهم، فجاء الرد الإلهي حاسمًا: إن ميزان الكرامة عند الله ليس المال ولا المنصب، وإنما الإيمان والتقوى.

عباد الله،

إذا كان هذا الخطاب موجهًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المؤيد بالوحي، فكيف بحالنا نحن الذين نعيش في بلاد الغربة، وسط انشغالات الحياة، وحيث تقل البيئات الإيمانية؟

إن الإيمان يقوى بالصحبة الصالحة، ويضعف بالعزلة والبيئة الفاسدة،

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير…»

فالجليس الصالح لا يخلو من خير، أما جليس السوء فإنه يفسد القلب والدين.

أيها المؤمنون،

ولا يقتصر هذا التوجيه على اختيار الأصدقاء، بل يمتد إلى تربية الأبناء، خاصة في بلاد الغربة، حيث يتعرضون كل يوم لمؤثرات متعددة في المدارس ووسائل الإعلام والشاشات.

ولهذا ينبغي أن يكون الأب والأم أول صاحبٍ لأبنائهم.

اصبر نفسك مع ابنك؛ اجلس معه، واستمع إليه، وشاركه اهتماماته، واصطحبه إلى المسجد، وابنِ معه علاقة قائمة على المحبة والثقة.

فإن لم يجد الأبناء هذا الاحتواء في البيت، بحثوا عنه خارجه، وربما وجدوه عند من لا يعينهم على دينهم وأخلاقهم.

إن التربية اليوم لا تقوم على كثرة الأوامر، بل على حسن المصاحبة، وبناء الثقة، وتقوية العلاقة بين الآباء والأبناء.

أيها الأحبة،

إن التطبيق العملي لهذه الآية في واقعنا يكون بثلاثة أمور:

أولاً: مصاحبة الأبناء، بتخصيص وقت حقيقي لهم، نتحاور معهم، ونشاركهم أنشطتهم، ونقربهم من الطاعة.

ثانيًا: عمران المساجد، بجعلها مركزًا لحياة الأسرة، يلتقي فيها الأبناء بإخوانهم، ويشعرون بالانتماء إلى دينهم وهويتهم.

ثالثًا: اختيار الرفقة العائلية الصالحة، حتى ينشأ الأبناء في بيئة تعينهم على الإيمان والاستقامة.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل القرآن، وأن يرزقنا الصحبة الصالحة، ويحفظ أبناءنا وبناتنا، ويثبتهم على دينه، ويجعل بيوتنا عامرة بالإيمان، ومساجدنا عامرة بالطاعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.