حديثنا اليوم عن نعمة عظيمة من نعم الله على عباده، وسبب من أعظم أسباب الثبات والهداية، ألا وهي البصيرة.
والبصيرة في اللغة تعني الإدراك والفطنة والعلم والنظر النافذ إلى حقائق الأشياء. وهي وإن كانت مشتقة من البصر إلا أنها تختلف عنه؛ فالبصر يرى ظواهر الأشياء، أما البصيرة فترى حقائقها ومآلاتها. وقد يملك الإنسان عينين مبصرتين وهو محروم من البصيرة، وقد يفقد بصره وتبقى بصيرته حية تهديه إلى الحق.
ولهذا عرّف العلماء البصيرة بأنها نور يقذفه الله في قلب عبده، يهتدي به إلى الحق ويميز به بين الهدى والضلال. وقد جعل القرآن الكريم البصيرة أعظم شأناً من البصر، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
فالعمى الحقيقي ليس عمى العين، وإنما عمى القلب عن معرفة الحق واتباعه. ولهذا كان السلف يعدّون نور القلب أعظم من نور العين، لأن القلب إذا استنار بالإيمان عرف الحق وسار عليه.
وقد بيّن القرآن أن الوحي هو المصدر الأعظم للبصيرة، فقال سبحانه: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. فكلما ازداد العبد قرباً من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ازداد نوراً وبصيرة.
ونحن اليوم نعيش في زمن كثرت فيه الفتن واختلطت فيه المفاهيم، حتى أصبح كثير من الناس لا يميزون بين الحق والباطل. ومن هنا كانت حاجتنا إلى البصيرة أشد من أي وقت مضى؛ لأنها النور الذي نهتدي به في ظلمات الفتن.
إن البصيرة تجعل صاحبها يرى الأمور على حقيقتها، فلا ينخدع بالمظاهر ولا تغره الشعارات. ولذلك شبّه الله صاحب البصيرة بمن يمشي على صراط مستقيم، بينما فاقدها كمن يتخبط في الظلام. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
ومن ثمراتها أنها تحسن علاقة العبد بربه، فيحسن الظن بالله، ويفهم أحكام دينه فهماً صحيحاً. أما إذا فقدها الإنسان فقد يرى الحق باطلاً والباطل حقاً، ويعيش في ظلمات الشبهات والأهواء.
ومن أخطر الآفات التي تهدد البصيرة الاغترار بالعقل، حتى يجعل بعض الناس عقولهم حكماً على نصوص الوحي. والإسلام كرّم العقل ودعاه إلى التفكير، لكنه جعله تابعاً للوحي لا حاكماً عليه، لأن العقل محدود والوحي من عند الله العليم الحكيم.
ومن الآفات أيضاً التقليد الأعمى، حيث ينساق الإنسان وراء الآخرين دون نظر أو تمييز. أما المؤمن صاحب البصيرة فإنه يجعل ميزانه الحق الذي جاء به الشرع، لا الشهرة ولا الكثرة.
كما أن من أسباب ضعف البصيرة التعلق بالأسباب ونسيان مسبب الأسباب، فيعتمد الإنسان على قوته أو ماله وينسى أن الأمر كله بيد الله. أما المؤمن فيأخذ بالأسباب ويتوكل على الله، ويوقن أن النفع والضر بيده سبحانه.
ومن أخطر ما يفسد البصيرة انتشار الجهل وتصدر الجهال للكلام في دين الله بغير علم، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك حين أخبر أن الناس سيتخذون رؤوساً جهالاً يفتون بغير علم فيضلون ويُضلون.
كما ابتلي كثير من الناس بالسطحية في التفكير، فيحكمون على الأمور من ظواهرها، بينما صاحب البصيرة يتثبت وينظر إلى العواقب والنتائج قبل إصدار الأحكام.
عباد الله، إذا كانت البصيرة نوراً يقذفه الله في القلب فإن لهذا النور أسباباً تعين على تحصيله وزيادته. فالبصيرة لا تُنال بالتمني، وإنما بالطاعة والتقوى والقرب من الله عز وجل.
ومن أعظم أسبابها صدق المجاهدة مع النفس، فالنفس تميل إلى الراحة والهوى، ولا ترتقي إلا بالصبر ومخالفة الشهوات. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.
ومن أسبابها المحافظة على الفرائض والإكثار من النوافل، فإذا أحب الله عبداً سدده في سمعه وبصره وفكره وعمله، فأصبح ينظر إلى الأمور بنور من الله.
ومن أسباب البصيرة كذلك تحري الحلال في المطعم والمشرب والكسب، فإن الحلال ينير القلب ويعين على الطاعة، أما الحرام فيقسي القلب ويطمس نور البصيرة.
ومن الأسباب العظيمة صدق التوكل على الله وحسن الظن به، فالمؤمن يأخذ بالأسباب لكنه يعلم أن الأمر كله لله، فيزداد يقيناً وثباتاً وطمأنينة.
كما أن اليقين بالله من أعظم منابع البصيرة، فكلما قوي يقين العبد بوعد الله ونصره ازداد ثباتاً عند الشدائد، ولم ييأس مهما اشتدت الفتن.
ومن أعظم ما ينمي البصيرة معرفة سنن الله في الكون والحياة، فمن فهمها أدرك أن الحق قد يبتلى لكنه لا يضيع، وأن الباطل قد يقوى لكنه لا يدوم، وأن العاقبة للمتقين.
فمعرفة هذه السنن تمنح المؤمن طمأنينة وثباتاً، وتجعله ينظر إلى الأحداث بعين البصيرة لا بعين العجلة والانفعال.
فما أحوجنا اليوم إلى نور البصيرة، وإلى العلم النافع والفقه في دين الله، حتى نبصر الحق حقاً فنتبعه، ونبصر الباطل باطلاً فنجتنبه.
اللهم ارزقنا البصيرة في الدين، ونور قلوبنا بالإيمان، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وثبتنا على الحق حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.


