خلال عهد الدولة العثمانية، بلغت الاحتفالات بنهاية شهر رمضان مستوى غير مسبوق من الفخامة البصرية والاجتماعية. فمن طقوس دينية بحتة، تحولت إلى حدث مجتمعي واسع يربط عامة الشعب بالسلطان نفسه، تاركاً وراءه تقاليد لا يزال الكثير منها قائماً في الشرق الأوسط والبلقان حتى اليوم.

عيد السكر أم عيد الشكر؟
في تركيا وأراضي الدولة العثمانية السابقة، غالباً ما يُشار إلى عيد الفطر باسم “Şeker Bayramı” (عيد السكر). ومع ذلك، يشير المؤرخون إلى التباس لغوي مثير للاهتمام ربما سبق هذه التسمية. ففي الأصل، كان العيد يُسمى “Şükür Bayramı” (عيد الشكر). ولكن في اللغة التركية العثمانية، التي كانت تستخدم الأبجدية العربية آنذاك، كانت كلمتي “سكر” و”شكر” تُكتبان بنفس الطريقة تماماً. ونظراً للكميات الهائلة من الحلويات – من البقلاوة التقليدية إلى الحلقوم – التي كانت تُستهلك خلال الاحتفالات، ترسخ الاسم المرتبط بالسكر في اللغة الشعبية.

أبهة البلاط ومراسم السلطان (حفل المعايدة – Muayede Alayı)
كانت الاحتفالات الرسمية تبدأ في بلاط السلطان في قصر توبكابي في إسطنبول. وكانت البروتوكولات الملكية، المعروفة باسم حفل المعايدة (Muayede Alayı)، صارمة ومصممة لإظهار عظمة وقوة الإمبراطورية. فمنذ ليلة العيد (المعروفة باسم عرفة)، كانت تقام الصلوات بمرافقة فرقة الانكشارية العسكرية التقليدية (المهتر). وفي يوم العيد نفسه، كان السلطان يرتدي قفطاناً احتفالياً مزخرفاً ويجلس على العرش لتلقي التهاني من الصدر الأعظم وكبار المسؤولين ورجال الدين. وكان هذا الحفل يُرافق بإطلاق المدافع الاحتفالية، معلنةً بدء الاحتفالات في جميع أنحاء المدينة.

المدينة المضيئة واحتفالات الشوارع
كانت إسطنبول وغيرها من المدن الكبرى تتغير ملامحها بالكامل خلال العيد. فبينما كانت الحياة الليلية في الشوارع هادئة نسبياً طوال العام، كانت الشوارع تضاء في نهاية رمضان. وكان من الفنون العثمانية المميزة فن “المحيا” (Mahya) – وهو مد حبال بين مآذن المساجد، تُعلق عليها مئات المصابيح الزيتية. وفي الظلام، كانت تشكل هذه المصابيح كتابات مضيئة أو صوراً ضخمة للهلال.

كان الناس يرتدون أفضل ثيابهم ويتجولون في الشوارع والحدائق المضاءة. وكانت تُنصب في الساحات مراجيح احتفالية ضخمة وعجلات خشبية دوارة (تسمى bayram salıncakları)، والتي كان يديرها غالباً جنود النخبة الانكشارية لكسب أموال إضافية خلال الأعياد. وبعد حلول الظلام، كانت العائلات تتجمع حول مسرح خيال الظل التقليدي، حيث كانت شخصيتا كاراكوز وعيواظ (Karagöz و Hacivat) تقدمان تعليقات فكاهية وساخرة حول المجتمع في ذلك الوقت، مما يمتع الكبار والصغار على حد سواء.

شطب الديون والتكافل الصامت
كان العنصر الفريد حقاً في الاحتفالات العثمانية هو التكافل الاجتماعي العميق والمدروس. ومن أجمل هذه العادات ما كان يُعرف بـ “دفتر الذمم” (Zimem defteri). فخلال الأعياد، كان الأثرياء العثمانيون يزورون المتاجر والأسواق المحلية في الأحياء الفقيرة دون الكشف عن هويتهم. وكانوا يطلبون من التاجر دفتر الديون ويدفعون ديوناً مختارة عشوائياً – أو حتى الدفتر بأكمله – نيابة عن السكان المحليين. لم يكن أحد من المتسوقين يعرف من سدد دينه، ولم يكن المتبرع يعرف بالضبط من ساعد. وبهذه الطريقة، كانت تُحفظ كرامة الفقراء.

وهناك تقليد آخر كان ينتظره الأطفال بفارغ الصبر، وهو تقديم الهدايا. فكان أصحاب المنازل في البيوت الثرية يوزعون بسخاء ليس فقط الحلويات، ولكن أيضاً ما كان يُسمى بـ “بدل الأسنان” أو إيجار الأسنان (Diş kirası). وهي عبارة عن أكياس حريرية صغيرة تحتوي على عملات فضية أو ذهبية، تُعطى للضيوف والأطفال كعربون شكر وتقدير لتشريفهم مائدة المضيف و”إجهاد أسنانهم” في تناول طعامه.