وُلِد الحسن البصري (642م في المدينة – 728م في البصرة) بعد وفاة النبي ﷺ بقليل، ونشأ في أجواءٍ ما زالت تعيش بذكريات الصحابة الذين عايشوا الرسول وسمعوا منه. وقد التقى ببعضهم، فتأثر بكلماتهم وسيرتهم، فصار جسراً بين جيل الصحابة والجيل الذي تبعهم. لم يكن عالِماً ينقل الأحكام فحسب، بل كان صوتاً يُذكّر الناس بما هو أبقى من زخارف الدنيا.
البصرة – مدينة التناقضات
كانت البصرة موطناً للتجارة والجيوش والقصور، وفيها اجتمعت الطموحات والمصالح. وفي وسط هذه الأجواء كان الحسن البصري يذكّر الناس بالزهد والاعتدال، لا ليتركوا الدنيا، بل لئلا يغرقوا فيها. وكان يقول:
«إنما الدنيا ظلّ زائل، إن طلبتها ولّت عنك، وإن أعرضتَ عنها أقبلت إليك».
قوة الكلمة الصادقة
لم يكن الحسن يخشى في الله لومة لائم. كان ينتقد ظلم الحكّام ويذكّر الناس بالموت وما بعده، قائلاً:
«ماذا يبقى لك إذا كُفّنتَ في ثوبٍ بسيط؟»
وقد استمع إليه العامة والخاصة، حتى الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، الذي كان يُجلّ الحسن ويأخذ بنصائحه. وفي زمنٍ سكت فيه كثير من العلماء أمام السلاطين، كان الحسن يقول:
«من خاف الناس لم يعرف الله، ومن عرف الله لم يخف الناس».
إرثٌ خالد
توفي الحسن سنة 728م في البصرة، فحزن عليه أهلها حزناً شديداً، إذ فقدوا رجلاً علّمهم أن الحياة ليست بكثرة المال ولا بعظمة القصور، وإنما بالصدق مع الله والعدل مع الناس.
ومن كلماته الباقية:
«إنما أنتَ أيام، كلما مضى يوم مضى بعضُك».
«من عرف الله أحب الخلوة، ومن عرف الدنيا سئم من صخبها».
لم يكن الحسن البصري والياً ولا قائداً عسكرياً، ومع ذلك بقي اسمه حيّاً بعد زوال دولٍ وسلاطين. لقد دلّ الناس على أن الكلمة الصادقة قد تكون أبقى من كل سلطان.




