د. اسامة الديري {خطبة الجمعة 2021/1022}

يستقبل المسلمون في شهر ربيع الأول من كل عام ذكرى عظيمة، تستعبر في العيون دموع الشوق، وتلهج الألسنة فيها بذكر سيد البشر الذي أشرقت الأرض باستقباله، وتزينت السماء بقدومه، وبشّرت به ملائكة السماء:

وهذه المناسبة المباركة، تستنهض همم المؤمنين للاقتداء بهدي نبيها والسير على منهاجه القويم، فهو النور الذي أشرقت به ظُلمات الجاهلية، وأخرج به الله الناس من العادات الشركية إلى الهداية الربانية، يقول تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) ، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾،وكما جاء في مسند الإمام أحمد… هو دعوةُ أبينا إبراهيمَ وبِشارةُ عيسى ورؤيا أمه آمنه الَّتي رأَتْ حينَ وضَعَتْه أنَّه خرَج منها نورٌ أضاءَتْ لها منه قصورُ الشَّامِ» ، فالواجب على المؤمن أن يشكر هذه النعمة العظيمة، وأن يؤدي حقها وفاءً ومحبة لمن جعلها الله تعالى على يديه، وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويكون ذلك بطاعة أوامره، وانتهاج سنته، واتباع منهجه القويم، (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

عباد الله: لقد بشّر الله تعالى في كتابه الحكيم بولادة الأنبياء والأولياء والصالحين، فذكر سبحانه وتعالى قصة

ولادة مريم عليها السلام وكفالتها من زكريا عليه الصلاة والسلام، وذكر سبحانه قصة ولادة سيدنا يحيى عليه الصلاة والسلام، وقصة ولادة سيدنا عيسى عليه السلام، وأقسم سبحانه وتعالى بعمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) ، وعمر الإنسان يبدأ بلحظة ولادته إلى يوم وفاته، وفي ذلك إشارة إلى أن ولادة الأنبياء حدث عظيم ونعمة جليلة، يحسُن بالمؤمن الوقوف عندها وشكر الله تعالى عليها، وقد زاد الله تعالى سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم تشريفاً وتعظيماً وتكريماً، وأمر المؤمنين بذلك، فأمرهم بالصلاة والسلام عليه، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، ورفع ذكره الشريف قال تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) ، فقرن سبحانه اسمه المُعظّم باسم النبي صلى الله عليه وسلم، يقول مجاهد في تفسير الآية الكريمة: وهِي أشْهَد أنْ لاَ إله إلا اللَّه وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رسُولُ اللَّه.

كل ذلك يدفع المؤمنين بقلوبهم الصادقة إلى توحيد صفّهم واجتماع شملهم وكلمتهم، معبرين بأسلوب حضاري عن محبتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم والالتزام بشريعته، وإظهار التعظيم والتوقير ونبذ خلافاتهم، والالتفاف حول قدوتهم وقائدهم ومنقذهم من الظلمات إلى النور، والوقوف في وجه كل من يحاول الإساءة إلى هذا الدين وتشويه صورته الحقيقية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله الله تعالى بالهداية والرحمة للبشر كافة، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. 

وجاءت البشائر في عام مولده بحادثة الفيل التي أنزل الله تعالى فيها سورة كاملة، ذلك العام الذي أذلّ الله تعالى فيه أبرهة وجنده، وأعز وحفظ وشرّف بيته الحرام، فكان ذلك العام بداية الانتصارات والفتوحات من ربّ العالمين، فكانت نصراً حسيّا لحماية الكعبة من الهدم المادي، ومعنوياً بحماية الإنسان من الهدم المعنوي، ليعود التوحيد خالصاً لله تعالى، وفي ليلة مولده الشريف جاءت البشارات لتعم أركان الأرض وتكشف عن حقبة جديدة في تاريخ البشر، فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم ارتج إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام ، كل هذه الأحداث  تعلن عن تغييرات بدأت بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، القائد الذي تقتدي به البشرية في عملها وإيمانها، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيُّ؟ قَالَ: «مَا عَلِمْتُ حَتَّى أُعْلِمْتُ ذَلِكَ يَا أَبَا ذَرِّ، أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَعْضِ بَطْحَاءَ مَكَّةَ» فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: فَزِنْهُ بِرُجَلٍ «فَوُزِنْتُ بِرَجُلٍ فَرَجَحْتُهُ» قَالَ: فَزِنْهُ بِعَشَرَةٍ «فَوَزَنَنِي بِعَشَرَةٍ فَوَزَنْتُهُمْ» ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ «فَوَزَنَنِي بِمِائَةٍ فَرَجَحْتُهُمْ» ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفِ «فَوَزَنَنِي بِأَلْفٍ فَرَجَحْتُهُمْ» ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ رَجَحَهَا، كما جاء في مسند البزار.

إن ذكرى المولد النبوي الشريف تمثل منارة أمل تتجدد في كل عام وهي فرصة لكل مسلم للإقبال على الله تعالى، وإحداث التغيير في نفسه، وهي خير نافذة يتطلع منها المؤمنون إلى واقع ومستقبل جديد، ملؤه الأمل والتفاؤل، والسعي نحو النهوض، فكما نهضت البشرية من قبل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن عمّت فيها ظلمات الجاهلية، هي اليوم أقدر على النهوض، وأجدر أن تزيل عن كاهلها ركام الجهل والعصبية، خاصة وأن تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم لا زالت حاضرة في قلوبنا، ومحبته قائمة في وجداننا، وكتاب الله تعالى يرشدنا إلى ما فيه الخير والصلاح